لدماء الشهداء عند الله حرمتها وقداستها، وللدمع الساخن المسفوح من عيون الامهات عزته في السماء والارض، وللمظلومين عند الله قسم عظيم يهتز له الكون اجمع، فليس بين الله ودعوة المظلوم حجاب وهو القائل (وعزتي وجلالي لانصرنك ولو بعد حين)، ولا يخلف الله وعده، وهذا (الحين) تلوح بشائره، فالنصر والعزة على قاب قوسين او ادنى من ارض الرباط فلسطين. إن هذا الالتفاف حول القضية الفلسطينية من اقصى العالم الى اقصاه، وهذا التعاطف مع الشعب الصامد المناضل هناك عبر الاصوات التي تنطلق في كل شوارع الدنيا، وفي كل اعلام المعمورة، وفي المنتديات العالمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، يعني بالنسبة لنا شيئاً واحداً هو ان قضية الصراع العربي الصهيوني قضية حق وعدالة، وبأن ما وصلت اليه اليوم من التفاف ومصداقية لا تجادل، ومن دعم لا يتزعزع، انما قد وصلته بالدم وبأرواح الشهداء، وبعذابات شعب بأكمله يناضل منذ اول القرن العشرين وحتى هذه اللحظة، ولزاماً علينا ان نقوم بواجبنا وبألا نخذل هذه القضية وهذا الشعب بعد اليوم ابداً، ليس بمبادرات سلام جديدة، وانما بقوة لا تقهر! إن الفكرة المطروحة هذه الايام عبر وسائل الاعلام وبصوت عالٍ جداً، قد خرجت من اطار الطرح التقليدي بضرورة البذل والعطاء الى واجب الاستمرار في الدعم وفق استراتيجيات لا تنبني على العشوائية والمزاجية وردّات الفعل العاطفية بل على تصميم ثابت ورؤية واضحة وخطط عمل تشكل لها لجان عمل ولجان متابعة ولجان تقييم ودراسة، هذه القناعة هي احدى ثمار الانتفاضة المباركة، وواحدة من بركات الجهاد الصادق الذي فرض استحقاقاته علينا ووضعنا امام مسئولياتنا بعد ان فرطنا كثيراً وتهاونا اكثر مما يجب. اليوم يفور غضب الرأي العام العربي، ولا مجال لتهدئته، انها غضبة حق وصدق لأجيال ورثت بالفطرة عروبتها، وتشربت بالفطرة ايضاً الانتماء لعقيدتها ولقضيتها، وكل مظاهر التعاطف والاندفاع حتى الموت، والبذل والكلمات التي تتردد في المسيرات وعبر وسائل الاعلام ليست سوى علامة اكيدة على ان الرهان على هؤلاء رهان في مكانه، فالشارع العربي صار يدير ازمة الامة ويفرض خياراته ويخيف أعداءه ويرهب الجبناء في مخابئهم، وعليه فقد اعلن عن تحركات وتوجهات في الايام الماضية ما كانت لتعلن لولا قوة ضغط هذا الشارع وعلو صوته، والخطورة التي يشكلها في كل مكان. ان لهذا النضال الاسطوري في ارض فلسطين منذ سنوات طويلة دوره العظيم في كل ما يحدث لنا من صحوة ويقظة ومراجعات وصلت الى اعلى مستوياتها بمساءلة الانظمة الرسمية الحاكمة، ووضعها على محك المصداقية والمواجهة مع المسئولية، كما ان لهذا النضال بركاته في كل هذا الرعب والرهبة والتخبط الذي يعيشه الصهاينة في الكيان الصهيوني الغاصب، كما ان لهذا النضال دوره في صحوة الاعلام العربي ومواجهته لمسئوليته الكبيرة في معركة المصير، ولولا هذا الدعم الاعلامي المتواصل للجهاد في فلسطين لما سمع هدير الشوارع العربية، ولولا الاعلام لما التف العالم كله حول العلم الفلسطيني مندداً بدولة الارهاب (اسرائيل) وبحامية الارهاب (الولايات المتحدة). ما نحتاجه كأفراد وجماعات، وما ينتظر من الاعلام العربي الرسمي والخاص، هو ان نتحمل جميعنا مسئوليتنا في هذه القضية التي وصلت الى منعطف خطير وغير مسبوق ولا يجب التراجع فيه ابداً بل توظيفه وبشكل ذكي ومدروس، ما ينتظر من الاعلام وما يتوجب عليه استتباعاً لكل المعطيات الحاصلة على ارض الواقع هو ان ينسى تماماً نغمة التطبيع التي سار فيها زمناً طويلاً وكأنه كان في غيبوبة عن دوره الدفاعي عن ثوابت الامة، اضافة الى التحرك السريع والذكي لمخاطبة الرأي العام العالمي المستعد تماماً لتقبل كل طروحات الحق في القضية العربية، مخاطبته بخطاب يناسبه وبلغته التي يتحدث بها، مع رجاء خاص من فضائياتنا ان يلغوا من خلفيات نشرات الاخبار صورة العلم اليهودي ذي الخطين الازرقين والنجمة السداسية ووجوه شارون وزمرته فقد وصلنا الى درجة الغثيان منهم.