المجزرة التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية امس في مخيم جنين وصمت جبين الانسانية بالعار، وفاقت في بربريتها ووحشيتها كل ما سجله التاريخ من مذابح منذ أول حرب اندلعت حتى مطلع الألفية الثالثة، مروراً بجرائم الحرب التي ارتكبها مجرمو الحرب الصهاينة في دير ياسين وبحر البقر وصبرا وشاتيلا وقانا. وجسدت المجزرة وحرب الابادة الجماعية ابشع ألوان استخدام الجيوش وطائرات اف 16 ومروحيات الأباتشي لحصد أرواح المدنيين العزل في مخيم لاجئين محاصر لمدة ثمانية ايام، وفي تكتيك يليق بالارهابي ارييل شارون الذي تعلم من تاريخه الملطخ بالدماء، ووجه قادة جيشه لاخفاء الجثث، بعد ان حظر على وسائل الاعلام تغطية عدوانه، حتى لا يكون هناك دليل يلاحقه كمجرم حرب، عندما يضيق ضمير الشرعية الدولية المغيب في ظل انحياز أمريكي صارخ. وعلى ايقاع النداءات الامريكية الخجولة المترددة امعن شارون في ارتكاب مجازره، بعد ان منحته ادارة الرئيس جورج بوش وقتاً اضافياً لاستكمال عدوانه، والقضاء على المقاومة الفلسطينية قبل ان يصل وزير الخارجية كولن باول اليوم، للتفاوض مع الفلسطينيين وهم في وضع من فقد كل شيء، بعد تجريدهم من كل سلاح، بحيث لا يبقى امامهم من خيار سوى القبول بفتات موائد مفاوضاته مع شارون المستأسد بدعم واشنطن، وعجز الاطراف العربية رغم ثورة الشعب العربي وانتفاض الشارع. والآن وبعد ان انكشفت ابعاد المؤامرة الاسرائيلية الامريكية والصمت الرسمي العربي، على تصفية المقاومة والسماح لشارون بابتلاع الاراضي الفلسطينية، واذلال القيادة لم يعد هناك مجال لانتظار خير تتمخض عنه جولة باول، سوى وضع الخطوط النهائية لخريطة جديدة تسعى واشنطن لاعادة رسمها للعرب، وهي خريطة مفخخة بالأزمات والتفجرات تسعى اساساً لتجريد الأمة من آخر خيط مقاومة، وتضعها في مصاف التوسل والتسول، واهدار طاقاتها وثرواتها في نزاعات سوف تتفجر من الخريطة الجديدة، وتختزل حتى الدول والنظام الاقليمي في كانتونات وتفتح الباب على مصراعيه لهيمنة الوكيل الاقليمي الاسرائيلي لواشنطن، تحت اي مسمى يصكه منظرو الهيمنة الامريكية. على ان هؤلاء المنظرين فاتهم أهم درس تاريخي، ينبئ بانشقاق الارض عن جيل غضب لن يدع هذه المؤامرة تمر.