يفكر من يحمل السلاح في الجانب الفلسطيني آلاف المرات قبل أن يقدم على ضغط الزناد، فالرصاصة ان خرجت من فوهة البندقية وجهت الى صاحبها سيلا من العيارات النارية التي لن تبرحه إلا جثة هامدة، وكال الويل والدمار للمكان الذي يحتمي فيه. ويتردد المناضل الفلسطيني في احكام ضغطه على الزناد خشية ان يصوب على هدف خادع فيتحسر على الطلقة ان لم تصب العدو، فالذخيرة التي بحوزته محدودة لا تحتمل فرصة المغامرة، وبندقيته بدائية قد تتعطل لأي عارض فيقع فريسة سهلة للقناصة. وبينما تدور رحى القتال من منزل الى منزل يطارد النوم عيون فتيان المخيمات ولم يذق أحدهم طعاماً لأيام متصلة، وهم يخرجون فرادى وجماعات لملاقاة الموت والاستشهاد على تراب أرض فلسطين الأبية، فالقصف العشوائي المستمر للأحياء والتجمعات السكنية والاجواء المشوبة بطائرات الاباتشي، لا تترك فرصة للنوم أو تحصيل قوت اليوم. بهذه البسالة يصمد ابطال مخيمات نابلس وبلاطة وجنين في وجه قذائف الدبابات ونيران طائرات الاباتشي، وهم يلقنون اسرائيل درسا في ان مخطط الارهابي شارون الذي قصد به تصفية بعض عناصر المقاومة في ظرف بضعة أيام لم يحقق أهدافه، رغم كل وسائل القمع والحصار الذي يفرضه جيش الاحتلال على المناطق الفلسطينية لارغامها على الاستكانة والاستسلام. من جانبه لم يعد المواطن في أمة المليار نسمة يشعر بالأمل في رد فعل يشفي غليله من المجازر الوحشية والجرائم الاسرائيلية التي يرتكبها الارهابي شارون ضد الشعب الفلسطيني الاعزل، طالما ظلت المواقف العربية تبنى على اجتهادات فردية، لا تجتمع على رأي موحد وتعتمد في تعبيرها على مدى علاقة كل حكومة عربية بأمريكا. لقد أيقنت الشعوب العربية انه سينفرد العدو بها يوما دون ان يتدخل احد لنصرتها، فما يحدث اليوم من عمليات الابادة النازية في صفوف الفلسطينيين امام مرأى ومسمع من العالم يقينا أنه سيتكرر في بقية الدول العربية، وربما بصورة أشد ضراوة منها، بينما ستقف الدول الأخرى كعهدها بلا حراك تنتظر مصيرها المحتوم. ان فتيل المقاومة سيظل مشتعلاً طالما بقي على أرض فلسطين طفل رضيع، لذا فان الاصبع العربية التي تطلق الرصاص في وجه العدو، لا تنتظر اشارة من أمريكا للجيش الاسرائيلي بالانسحاب دون ابطاء.