لا جدال في أن ميل الانسان الطبيعي هو العيش في سلام ودعة ورخاء، ولاشك في أن الحروب هي أفظع اختراع بشري، حيث الدمار والموت والهلاك، ولكن ما بين هذا وذاك، تقتضي الظروف أحيانا أن يتخلى الانسان عن ميله الطبيعي، كي يقتحم أهوال الحرب، وأهم هذه الظروف هي أن يكون الانسان في وضع يصبح معه خيار الموت أقل بشاعة.. ولقد سبق لي أن انتقدت وبشدة مسألة «ان السلام هو الخيار الاستراتيجي العربي الوحيد»، ومن ذلك أنني كتبت مقالا تحت عنوان «سلام القبور»، تناولت فيه بالتحليل هذه المسألة، حيث أثبت أن «السلام ليس سلاما، والخيار ليس خيارا»، فالخيار هو اختيار بين بدائل، وحين يقتصر على بديل واحد، فذلك لا يمكن (لغة ومصطلحا) أن نطلق عليه خيارا وانما اجبارا أو اضطرارا. ولم يكن ذلك موقفا من السلام، بقدر ما كان حرصا على امكانية تحقيق السلام، فحين تواجه خصمك على مائدة التفاوض وقد خصمت من رصيدك نصف أوراقك، فبالحساب وحده لن تحصل الا على نصف مطالبك أو أقل، خاصة وأن ذلك الخصم استغل الى أسوأ درجة اقتصارك على ما يسمى «خيار السلام الاستراتيجي»، حيث مارس وبضراوة استخدام كل الخيارات الأخرى المتاحة وأهمها الخيار العسكري، كي يضعف ويقلل من سقف ذلك «الخيار الاستراتيجي العربي»، ولكي يصل الى الصاق هذا السقف بالأرض. وذلك المفهوم ليس اختراعا أو جديدا، وانما هو جزء لا يتجزأ من علم التفاوض، وله تطبيقات عديدة في التاريخ الانساني ليس آخرها التفاوض الفيتنامي/ الأمريكي في باريس، ولاشك أن هذا التوازن بين الخيارات قد أدى في النهاية الى التوصل الى السلام، وهو ما يؤكد ما ذكرته من أن ما كنا نطالب به لم يكن سوى نتاج ايمان كامل بالسلام، ولكن من خلال استراتيجية كاملة للتفاوض تجمع بين كل البدائل وتستخدم كل الأوراق المتاحة بمهارة من خلال مناورة التوقيت والمكان، واستكمال كل أدوات الضغط لكل بديل على حدة. تنويع الخيارات ولكي يكون ما سبق أكثر وضوحا، فانني سأفترض مبارزة بين خصمين، قرر أحدهما أن يغمد سيفه ويمد يده مصافحا للغريم الذي لا يزال مشرعا سيفه، لاشك أن أي حوار بين الطرفين في تلك اللحظة سيكون حوارا مختلا غير متوازن، وأية مطالب لمن أغمد سيفه لن تكون الا استجداء ورجاء، بعكس خصمه الذي ستكون مطالبه املاءات. وهذا المثال التوضيحي قد تصوب اليه العديد من سهام النقد، وأهمها بالطبع الاشارة الى احتمال مهارة الغريم وقوة درعه وحتمية انتصاره في المبارزة اذا لم يغمد الآخر سيفه أو اذا فكر في اشهاره مرة أخرى.. وذلك مردود عليه بأن المهارة وقوة التدريع وغير ذلك من التراكم المادي يفقد كثيرا من فاعليته اذا افتقد الى عنصرين أساسيين، أحدهما: الارادة، وثانيهما: الحق.. وبوصفي مقاتلا سابقا مارس القتال ضد اسرائيل أثناء حرب 73، فأنا أعرف بالتجربة مدى قوة هذين العنصرين، فرغم التفوق النوعي للجيش الاسرائيلي قبل عبورنا للقناة، فقد كان لدينا تفوق واضح في الارادة والتصميم على القتال، فضلا عن ايماننا الذي لا يتزعزع بالحق الذي نحارب من أجل استعادته، وكان من الواضح أن جنود العدو الذين واجهناهم كانوا يفتقدون الى هذين العنصرين.. فالمسالة اذن ليست تفوق سيف على سيف، والأمثلة هنا أيضا بلا حصر.. ورغم كل ذلك فالمطلوب ليس اعلان الحرب، بل عدم التخلي عن خيار المقاومة المسلحة، وامكانية تفعيله واقناع العدو بجديتنا في هذا الصدد، لأن مجرد التلويح بالسيف يحقق بعض التوازن في بيئة المفاوضات، والتخلي عن ذلك لا يكون في حالة التفاوض بين ندين، وانما في حالة الهزيمة الكاملة لطرف يكتب الشروط التي يمليها عليه المنتصر، والنتيجة ليس سلاما وانما استسلاما، والفارق كبير بين الحالتين، وبالمناسبة ذلك لا يعد وصفا لأطراف الصراع العربي/الاسرائيلي، ولن يكون كذلك الا اذا استمرت اسرائيل في تحقيق أهدافها باستخدام كل بدائلها المتاحة مع تشبث العرب بما يسمى «خيار السلام الاستراتيجي». والهدف الآن ليس اصلاح ما سبق بأثر رجعي، لأن هناك متغيرات عديدة قد حدثت على الأرض وأسفرت عن معادلات معينة اتخذ بعضها وضع الثبات، ولكن الهدف هو محاولة استقراء خريطة استراتيجية جديدة للتحرك العربي على ضوء تلك المتغيرات وأبرزها ما حدث ويحدث حاليا في الأراضي الفلسطينية. اسقاط الشعار الزائف وأول خطوة يجب أن نتخذها بثبات وتصميم هي اسقاط ذلك الشعار المزيف والذي لم يؤد الى نتيجة ايجابية واحدة، وأعني بذلك شعار «السلام هو الخيار الاستراتيجي العربي»، وأن نرفع بدلا منه شعارا آخر مفاده «ان الهدف الاستراتيجي هو استعادة كافة الحقوق العربية بكل الوسائل الشرعية بما في ذلك المقاومة المسلحة» والوصول الى هذا الهدف الاستراتيجي يتطلب اعتماد وتطبيق مجموعة متكاملة من خطط العمل، أولها خطة اعادة النظر في أولويات البناء الداخلي لكل دولة عربية وذلك بالتنسيق مع باقي الدول العربية، فرغم أهمية الاصلاحات السياسية المطلوبة، فان الأولوية يجب أن تكون حاليا للاصلاح الاقتصادي والتركيز على الصناعات الثقيلة وصناعة السلاح، ويتوازى مع ذلك خطة تفاوض جماعي حتى اذا قام بها طرف منفرد، تشتمل على العناصر التالية: 1- موافقة كل الأطراف على كل قرارات الشرعية الدولية واعتبارها أسسا لعملية التفاوض بما في ذلك قرار التقسيم رقم 181 واقامة الدولة الفلسطينية على هذا الأساس. 2- الانسحاب الاسرائيلي من كامل الأراضي العربية التي تم احتلالها في الحرب العدوانية التي شنتها اسرائيل في الخامس من يونيو 1967. 3- حق العودة أو التعويض للاجئين الفلسطينيين طبقا لقرار الجمعية العامة رقم 194. 4- عدم شرعية الاجراءات التي قامت بها اسرائيل في الأراضي المحتلة وخاصة لتغيير الطبيعة الديموغرافية أو الجغرافية لتلك الأراضي. 5- قبول اسرائيل بمبدأ التعويض عن الخسائر التي لحقت بالأطراف العربية نتيجة لسياساتها العدوانية واحتلالها للأراضي العربية. 6- ان طبيعة السلام ترتبط بالمدى الذي يتحقق من المبادئ السابقة. صراع الارادات وظني أن تلك المبادئ الستة هي الأعمدة الأساسية التي يمكن أن يقوم عليها سلام حقيقي، وليس مجرد هدنة ممتدة أو فرض استسلام على أحد الطرفين، وقد يبدو ذلك طموحا مبالغا فيه على ضوء معطيات الواقع وتوازن القوى الحالي، ولكنني أراه قبولا براجماتيا بتلك المعطيات مع فهم حقيقي لتوازن القوى على النحو التالي: 1- أن الطرح السابق يقدم تنازلا جوهريا من الجانب العربي عن أحد أهم أسباب نشأة الصراع وهو تأسيس الدولة العبرية على جزء من أرض فلسطين، وهذا التنازل يعني القبول بوجود هذه الدولة والاعتراف بها، ولا ينبغي التقليل من أهمية ووزن هذا التنازل لأن ذلك يعني التقليل من حجم التضحيات الهائلة التي قدمتها الأمة العربية من أجل تصحيح ذلك الخطأ التاريخي. 2- ان قرار التقسيم هو الوثيقة المنشئة للدولة العبرية، ويحمل في طياته اليوم حلا لبعض القضايا الرئيسية المعلقة، (القدس، اللاجئين، الحدود، المستوطنات). 3- ان الدعاية الاسرائيلية والغربية تبالغ في وصف ضعف العرب، ولقد صدقنا دعايتهم، بل أغرقنا في المبالغة الى درجة جلد الذات واحتقارها وصولا الى الشعور بالعجز، وذلك ليس صحيحا على الاطلاق، فلدى العرب العديد من عناصر القوة الشاملة التي تحتاج فقط الى قدر من التنسيق والتوظيف الجيد. 4- ان استراتيجية العمل العسكري في ضوء المعطيات الحالية يجب أن ترتكز وبشكل أساسي على عمليات حرب العصابات طويلة المدى لاستنزاف قدرات العدو وانهاكه، وتفادي التورط في أية حرب نظامية والتأهل مع ذلك لأوضاع دفاعية لا تجعل قيام العدو بشن هذه الحرب نزهة يسيرة. 5- أهمية خلق نظام دفاعي اقليمي شامل يضم في دائرته ايران وباكستان، يستند على تكامل اقتصادي لأعضاء تلك الكتلة الجغرافية المتماسكة، وذلك ليس بالضرورة مرتبطا بالصراع العربي/الاسرائيلي، وانما بمعطيات النظام الدولي الجديد. 6- الايمان بأن عنصر الزمن في جانب المفاوض العربي، وعدم السماح للدعاية المغرضة بتسليط هذا العنصر للتأثير سلبيا على نتيجة المفاوضات، فالصراع العربي/الاسرائيلي هو صراع ايديولوجي قد تدار معاركه في ساحات القتال، ولكن الحسم والنصر الحقيقي يكون في العقول، وذلك أمر يتطلب اجيالا متتالية كي ينتصر منطق على آخر، ولعل مثال صراع الشرق والغرب حتى انهيار الشيوعية أبرز مثال على ذلك. كل ما تقدم يؤكد بشكل اجمالي أن الانتهاكات التي ترتكبها الآن القوات الاسرائيلية بجنون في الأراضي الفلسطينية ليست الا مقدمات معركة هذا القرن، حيث سيشتعل صراع الارادات الى أقصى درجاته. وليس لدي أية أوهام حول النتيجة النهائية أو فلنقل المنطقية لذلك الصراع، فلسوف ينتصر الحق العربي، ولكن يجب أن نعرف أن ادارة الصراع في المرحلة المقبلة أهم كثيرا من الصراع نفسه، وذلك لاختصار الزمن وحجم المعاناة للوصول الى النتيجة التي لاشك فيها. ـ كاتب مصري