من الأغراض الأهم للأنظمة والمؤسسات الاجتماعية في مجالات مختلفة تمكين البشر من ان يديروا شئون حياتهم وتسهيل هذه الادارة. ولدى هذه الانظمة والمؤسسات، في العالم برمته نزعة الى تجاوز أغراض وجودها. وفي كل المجتمعات البشرية تتجاوز فعلا تلك الانظمة والمؤسسات الغرضين المذكورين، وتطغى على مجالات لا تقع في نطاق تمكين البشر من ادارة حياتهم وتسهيل تلك الادارة. والمجتمعات تختلف بعضها عن بعض في مدى التزام تلك المؤسسات والانظمة بأغراضها وفي مدى تجاوزها تلك الأغراض الى أغراض أخرى. وفي المجتمعات البشرية كافة، وربما على وجه الخصوص البلدان النامية، تجاوزت تلك المؤسسات والانظمة أغراض وجودها الى التدخل في النشاط الفكري والعملي والى قيامها بتكييف النظام القيمي للانسان والى حظر كثير من النشاطات ووجوه السلوك على الصعيدين الفكري والعملي. ولدى الانسان بطبيعته نزعة الى الحرية والى ان يكون سلوكه أقل تقيدا والى ان يحقق ذاته وفرديته. والطبيعة كما هو معروف قوية جدا. إنها أقوى من التطبع ومن القيود غير الطبيعية. وفي احيان وحالات كثيرة لا يستطيع الانسان بحكم طبيعته ان يتقيد بعدد من القيود الاجتماعية، وخصوصا القيود التي لا يعتقد هو بصحتها. وبالتالي قد لا يراعي هذه القيود سرا أو علانية. وقد يوجد عدم المراعاة هذا تأنيبا للضمير لدى الانسان. والمجتمعات التي تنشأ فيها هذه الحالة مجتمعات تؤنب أفرادها ضمائرهم، وقد لا يكون أفرادها متماسكي الشخصية. وقد يكونون منشطري الشخصية. سرهم ليس علانيتهم. هذا مجتمع كثير من أفراده محتارون وساخرون. هذه حالة قد تؤدي ببعضهم الى الممالأة والمجاراة الكاذبة والمسايرة والمجاملة الكاذبة. ولتخليص أفراد المجتمع من هذه الورطة النفسية والمعضلة السلوكية يجب تقليل المحظورات التي لا حاجة اليها اجتماعيا وقيميا وثقافيا ويجب العودة بالانظمة والمؤسسات الاجتماعية الى أداء وظيفتها الأصلية وهي تسهيل ادارة البشر لشئون حياتهم، أي ان ينشأ تطابق أو على الأقل تقريب بين المحظورات وغرض الانظمة والمؤسسات الاجتماعية. ومما له صلة بالانطلاق والابداع الفكريين والخروج عن المألوف تفسيرنا أو قراءتنا للمفاهيم الاجتماعية والثقافية السائدة. ومما من شأنه ان يحقق سلاسة العلاقات الاجتماعية القيام بالتحديد الدقيق لتلك المفاهيم. وحتى يكون من الممكن للذين يريدون ان يراعوا مفاهيم مقبولة اجتماعيا وثقافيا وهم يريدون ان ينطلقوا فكريا من اللازم تعريف تلك المفاهيم. والمحافظة الفكرية لا تتمشى مع الانفتاح والانطلاق والابداع في المجال الفكري. ومرد هذا القول هو ان المحافظة الفكرية ليست لديها نزعة الى التحليق الفكري والخيال الفكري الجامح وارتياد الفضاء الفكري. فالمحافظة الفكرية بطبيعتها تسعى الى المحافظة على ما هو موجود من الفكر، بينما يكمن في طبيعة الانفتاح والانطلاق والابداع في المجال الفكري تجديد الفكر وتوسيع نطاقه وتغيير الفكر القائم الذي لم يعد لازما من منظور قيم الشعب وحاجاته. ويعني ذلك ان المحافظة الفكرية تعيق عملية التغيير الفكري. ـ استاذ الدراسات الشرق أوسطية في الولايات المتحدة