غالباً ما نحاول أثناء تناولنا لمثل حمأة الصراع الدائر على أرض فلسطين، حصر القضية بجغرافيا ضيقة جداً، وكأنها معزولة عن محيطها الجغرافي الإقليمي والدولي، واعتبار الصراع مجرد صراع محصور بين طرفي هذا الصراع. فقبل الدخول في التفاصيل، لا بد لنا من تبيان الحقيقة القائلة بأن منطقتنا كانت ولا تزال ساحة صراع مفتوحة لكل القوى الدولية الفاعلة بلا استثناء، وإن بدا للبعض أن هذا الصراع مستتر بعض الشيء بسبب اختزاله المتعمد من ذات القوى الدولية المتصارعة، أو يفتقد لحالة من الوضوح، لأنه كثف قسراً بما يطلق عليه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي للناظر من على بعد. أعني أن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لم يقتصر يوماً عند حدود التسمية فحسب، بل كان على الدوام يحظى بدعم أطراف دولية تبحث إما عن شراكة أو نفوذ أو هيمنة بالمعنى الحرفي للكلمة، دون التقليل بطبيعة الحال من طبيعة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من جهة، والعربي ـ الصهيوني من جهة أخرى باعتبار ذلك الصراع المركب يحمل مفهومي الوطني والقومي في آن معاً. فالواقع بعد أن غاب عن مسرح الأحداث الدولي ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي، برزت أوروبا كقوة دولية فاعلة، بصرف النظر عن قزميتها العسكرية وعملقتها الاقتصادية، وقربها أو بعدها عن هذه القوة الدولية الفاعلة أو تلك، رأت بأن غياب الثور الأحمر من حلبة الصراع، أعني روسيا، وإحداث حالة الفراغ، يملي عليها انتهاج استراتيجية وإن بدت توفيقية، للحفاظ على أقل تقدير على عملقتها الاقتصادية. بكلام آخر وجدت أوروبا بمؤسساتها الموحدة من جانب، أو المنفردة كدول مركزية فاعلة من جانب آخر مثل فرنسا وألمانيا وغيرها، انها مضطرة لكي تحافظ على عملقتها الاقتصادية النظر بعين الجد إلى محيطها المتوسطي، الذي يعتبر حزام الآمان الوحيد راهناً، بعد أن اقتلعت من إفريقيا في نهاية القرن الماضي. هذا الفهم، أو هذه القناعة، دفعت الاتحاد الأوروبي، إلى ما يسمى بتلبية متطلبات محيطها المتوسطي، والذي يتمثل أولاً وقبل كل شيء بحل قضية الصراع العربي ـ الصهيوني برمته، حيث تعتبر القضية الفلسطينية المدخل لحل مثل هذا الصراع الخطير، وغير المأمون على كافة المستويات، حتى أنها في الكثير من الأحيان تحملت أوروبا، الكثير من الإهانات التي وجهت لها في غمار سنوات التفاوض بين العرب والإسرائيليين سواء من الولايات المتحدة أو من قبل إسرائيل ذاتها التي يربطها بأوروبا تاريخ من العلاقات، بداية من طرد مندوبيها وانتهاء بفرض الإتاوات لقاء وقف أو الحد مما يسمى بالتوسع الاستيطاني الذي كان ولا يزال مثاراً ليس للجدل كما يشاع، بل محركاً أساسياً للصراع الدائر على الأرض الفلسطينية، والذي دفع الاتحاد الأوروبي أكثر من مرة لمقاطعة منتجات هذه المستوطنات . فقد لاحظ البعض أن جملة هذه القضايا قد اختزلت في ما يسمى بالجيوستراتيجية الأمنية وأولوياتها، وما يمثل ذلك الأمر الهام من اختلاف النظرة إلى أولويات الأمن في العالم باختلاف الوجود الجغرافي والأخطار التي تتهدد كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وأوروبا والعرب بكل طيفهم السياسي من جهة أخرى. وقد ذهب هؤلاء إلى اعتبار أن القضية الفلسطينية برمتها، أي بما تعنيه للعرب والمسلمين تتصدر جل المسألة بالنسبة للأوروبيين دون استثناء بما في ذلك ذيل الولايات المتحدة، أعني بريطانيا تلك الإمبراطورية التي مرت بمرحلة لا تغيب عنها الشمس، باعتبارها البوابة التي تؤمن جل ما تسعى له أوروبا في بناء شراكة أوروبية ـ متوسطية تؤمن لها مدداً على كل المستويات بما في ذلك الثقافية. هذا الأمر وغيره من القضايا العالقة بين الطرفين، خلق حالة من السجال السياسي الهادئ بمظهره والمتفجر بداخله، حيث بدأت تتطاير الاتهامات من وراء الكواليس بين صناع السياسة في أوروبا وأمريكا، على الرغم من اعتبار تلك الاتهامات باتهامات الأحبة، فيما ذهب بعضهم باعتبارها قد خرجت عما يسمى حتى بالودودة، وقد كان أول من عبر عن عدم الود هذا، وزير خارجية فرنسا هوبير فدرين الذي وصف السياسة الأمريكية بـ «البساطة الفكرية» ، بينما رأى من جانبه وزير الخارجية الأمريكي كولن باول واصفاً تصريحات المسئولين الأوروبيين بأنها «عديمة المعنى». هذا الأمر تعيه الولايات المتحدة منذ وقت بعيد إلا أن التحالف العضوي الذي ربط الولايات المتحدة بأوروبا، كان يقف حائلاً في كثير من الأوقات دون أن يطفو على السطح السياسي خاصة داخل حلف شمال الأطلسي في ظل وجود العدو المشترك، حلف وارسو. لكن بعد غياب العامل الموحد والناظم لتأجيل التفجر أو المنافسة، الاتحاد السوفييتي السابق، بدأت قضية المنافسة بين الطرفين، بحيث وجد الاتحاد الأوروبي ضالته هذه المرة في الدخول على خط السلطة الوطنية الفلسطينية، التي شرعت على المستوى الإقليمي والدولي، بل أكثر من ذلك وجدت أوروبا الباب مفتوحاً على مصراعيه ، من خلال دعم السلام في المنطقة واستكمال عملية التسوية السياسية، من خلال تقديم كل الدعم للسلطة الفلسطينية، ومنحها رعاية غير معهودة من قبل أوروبا، فلم تكتف أوروبا بتقديم احتياجات البنى التحتية الفلسطينية، بداية من الطرق مروراً بالمطارات وبالمرفأ وغير ذلك مما يندرج تحت هذه التسمية ذات التكلفة المالية العالية جداً، بل بدأت «أوروبا» تمد السلطة حتى بالمخصصات الشهرية لرجال الشرطة والأمن وما إلى ذلك من التقدمات. وعلى ما يبدو أن الإندفاعة الأوروبية، بدأت تثير الكثير من المخاوف لدى بعض الدوائر المتنفذة في الولايات المتحدة، وغالبية اليمين الإسرائيلي، بما في ذلك جزء لا يستهان به من حزب العمل أمثال بيريز وبن اليعازر، رغم أن هذا الحزب كان يرى في أوروبا حليفاً استراتيجياً ذات مرة، باعتباره جزءاً لا يتجزأ مما يسمى بالاشتراكية الدولية، التي تعتبر فرنسا رائدة من روادها. لكن بعيداً عن تفصيل القضايا والعودة إلى تاريخ، أقل ما يقال عنه بأنه بات من مخلفات الماضي، فمنذ اندلاع انتفاضة الأقصى، قبل ما يقارب 17 شهراً، وجدت الحكومة الإسرائيلية ومن خلفها الولايات المتحدة فرصتها الذهبية في اقتلاع الإسفين الأوروبي الذي زرع في فلسطين وبقوة، ووجدت إسرائيل ضالتها في تدمير البنى التحتية من خلال برنامج منظم ومخطط له من قبل خاصة وأن مجموعة هذه البنى المطار والميناء ومباني الشرطة وحتى السجون وبعض المؤسسات، تعبر عن الوجود الأوروبي الفعلي، على الرغم من التحذيرات الأوروبية والتهديد بفرض الغرامات المالية على إسرائيل باعتبارها ذلك يمس بالاقتصاد الأوروبي ، وأن ما تمارسه إسرائيل تعدي على أوروبا بشكل مباشر.انطلاقاً مما يجري، رأى بعضهم بأن الانتفاضة الفلسطينية المستمرة في الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى أنها معركة للدفاع عن فلسطين والعرب، فهي أيضاً معركة للدفاع عن الوجود الأوروبي ليس في فلسطين هذه المرة وحسب، بل وعن شراكتها الشرق أوسطية برمتها وبما تحمله هذه القضية بين ثناياها على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقد توضح هذا الأمر في منع الأوروبيين من التدخل فيما يجري داخل الأراضي الفلسطينية، وما منع الدبلوماسيين الأوروبيين المعتمدين في إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وموفدي أوروبا الذين يتقاطرون إلى إسرائيل، لمقابلة الرئيس ياسر عرفات، وطرد نشطاء السلام الأوروبيين والحد من حركة الإعلام، إلا تعبيراً عن مدى جدية الموقف الإسرائيلي المدعوم أمريكياً، في كنس الوجود الأوروبي المستقل، كمقدمة لإعادة صياغة هذا الوجود من خلال الرؤية الأمريكية العامة وبما يخدم توجهات الولايات المحددة، سواء فيما يخص الرؤية للنهايات العراقية أو للحلول المطروحة بالنسبة للقضية الفلسطينية. لكن السؤال المهم، هل تعي أوروبا خطورة هذه الإجراءات على مستقبل مصالحها في المنطقة؟ أم أنها ستبقى تعيش بين هاجس الخوف من الولايات المتحدة واسترضاء إسرائيل ؟ بعيداً عن تقديم الإجابات، يبدو أن أوروبا وعت درس إفريقيا، وتعي جيداً هذه الأيام درس تدمير كل ما بنته داخل فلسطين، وأن قرار البرلمان البلجيكي بقطع العلاقات مع إسرائيل، ومطالبة فرنسا بضرورة نشر قوة دولية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ودفع تركيا لاتخاذ الموقف الذي جاء على لسان رئيس وزرائها بولاند أجاويد، وتحريك الفاتيكان بهذه القوة والشدة، بمثابة دليل حي على مدى تحسس أوروبا لخطورة ما يجري في المنطقة، وما يمثل ذلك من تأثيرات فعلية على مستقبلها في المنطقة. ـ كاتب فلسطيني