مع حلول الساعة السابعة تغير الوضع في المقهى الملحق بالمكتبة الوطنية لمدينة نورنبرج الألمانية، لم يتغير وضع المناضد، إنما الذي تغير وجهة الرواد، فبدلا من أحاديثهم مع بعضهم اتجهوا بأبصارهم إلينا حيث صفت منضدتان، جلسنا إليهما، بيني وبين إبراهيم أصلان المترجمة السورية دلال الأرسوزي المقيمة في ألمانيا منذ ربع قرن، ومديرة المكتبة الوطنية، بعد قراءة نصين من رواية (مالك الحزين) و(رسالة البصائر في المصائر) بدأت الأسئلة، والأسئلة في جولة مثل جولتنا مهمة جدا، ليس بالنسبة لنا فحسب، إنما بالنسبة للقراء في ديارنا، إذ تعكس اهتمامات الجمهور الألماني ورؤيته وطريقة تفكيره لنا. السؤال الأول من قارئ ألماني عن الرقابة والمناخ الذي يبدع فيه الأدباء، وهذا السؤال واجهنا في جميع المدن التي وصلنا إليها، تتعدد صيغه ولكن لا يختلف مضمونه. إجابتنا تلخصت في الحديث عن مصر التي نعرف أوضاعها جيدا، تحدثت عن تاريخ الرقابة في مصر، والمراحل التي مرت بها، عن الوضع قبل عام ستة وسبعين من القرن الماضي، عندما كان المؤلف يحمل مخطوطته ويذهب بها إلى مكتب الرقابة الذي كان يتبع الهيئة العامة للإستعلامات، وهناك يترك مخطوطته ويعود بعد فترة زمنية يحددها الرقيب، يستلم المخطوطة، اما ممهورة بخاتم النسر، أي تمت الموافقة عليها، ربما حذف منها بعض السطور،وربما لم يحذف، ثم يذهب المؤلف إلى إحدى المطابع، وبعد طبع الكتاب يحمل بعض النسخ إلى مقر الرقابة لمقارنة ما تم طبعه بالمخطوط الموافق عليه، وعندئذ يتم تسليم النسخة الممهورة بختم النسر وتوقيع الموظف المسئول إلى المطبعة لتفرج عن النسخ، وإلى شركة التوزيع لتطرحه على الجمهور، في عام ستة وسبعين تم الغاء الرقابة الرسمية على الكتب. أصبح من حق أي كاتب أو باحث أن يطبع كتابه ثم يطرحه في السوق مع إرسال عدد من النسخ إلى دار الكتب الوطنية كما يقضي بذلك القانون، في نفس هذه الفترة من السبعينيات ظهرت طباعة الماستر والتي مكنت العديد من الأدباء من طبع أعمالهم في نسخ محدودة وبدون رقابة، لكن رغم الغاء الرقابة الحكومية الرسمية بدأ ظهور نوعية جديدة من الرقابة أخطر، رقابة الشارع أو رقابة المجتمع والتي تزايدت مع تصاعد المد الأصولي والذي رأت بعض فرقة في الأدب هدفا سهلا. فمن خلال تصيد سطور من تلك الرواية أو فقرة من هذا الكتاب، وإثارة ضجة لإحراج الحكومة، حدث هذا في الأزمة التي تعرض لها كتاب شهير يتم تداوله منذ قرون، أعني ألف ليلة وليلة، ثم الضجة التي أثيرت حول رواية حيدر حيدر، (وليمة لأعشاب البحر) من ناحية أخرى يحاول بعض المسئولين في الحكومة إثبات أنهم أكثر غيره على الاخلاق من التيار الأصولي ولذلك يشنون بين الحين والآخر حملات ضد بعض السطور أو الفقرات في رواية أو كتاب، وأبرز مثال على ذلك أزمة الروايات الثلاث التي وقعت العام الماضي والتي كان من نتيجتها إجهاض مشروع النشر الذي يصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، إذن.. أصبح الأدب لعبة في معركة سياسية، غير أن هذه المعارك المتتالية أدت إلى وجود ما يمكن اعتباره رقابة المناخ، وهذا أشق وأصعب أنواع الرقابة، لأنه ممكن أن يتسرب إلى داخل الإنسان، لكن مع متابعة الأعمال الروائية الجديدة للأدباء الشباب يمكن ملاحظة الجرأة التي يتمتعون بها، والملاحظ أن معظم هذه الأعمال صادرة عن دور نشر خاصة، كما طرأ عامل آخر في إضعاف الإحساس بالرقابة، أو شبكة الاتصالات الدولية (الإنترنت)، والأطباق اللاقطة، ومن يتأمل المساحة الفاصلة بين المطبوع في الصحف والكتب وبين المنشور على (الإنترنت) سيجد فرقا هائلا. هذا السؤال عن الرقابة لم يواجهنا فقط في نورنبرج، إنما في المدن الأربع التي التقينا بها مع الجمهور، برلين، ليبزج، ميوينخ، في برلين حيث عقدت الندوة في مقر معهد جوته والذي يقع في الجزء الشرقي تركز الحوار حول هذه القضية، وحول الصراع العربي، الإسرائيلي، عقدت الندوة مساء، وفي الطريق كنت أحاول أن أرصد آثار التغيير، خاصة في الشرق، حيث كانت عاصمة ألمانيا الديمقراطية، لقد اختفي السور تماما، لم يعد له أثر، وفي المنطقة الخلاء التي كانت تفصل بين شرق وغرب المدينة، أقيمت عدة مبان على أحدث طراز، تذكر أبراجها بمدينة نيويورك، حيث المواد الأبرز الألمونيوم والزجاج، وتبدو قبة البرلمان مغايرة لما رأيته عليها عام تسعين عندما زرت شطري المدينة قبل سقوط الجدار بأسابيع، البرلمان مبنى تاريخي واسمه هنا (الريشستاغ)، وهذا المبنى مرتبط بصورة شهيرة لها معنى بالنسبة لي، إذا التقطت في نفس اليوم الذي ولدت فيه، التاسع من مايو عام خمسة وأربعين، لجندي سوفيتي برفع العلم الأحمر فوق أحد أبراج المبنى، في مواجهته الآن مبنى الحكومة، ومقر إقامة مستشار ألمانيا. ويجري حاليا إنشاء أضخم محطة للقطارات في أوروبا، تتكون من عدة طوابق وتقع في مواجهة البرلمان ومبنى الحكومة، أي أن قلب برلين المترامية الأطراف يتكون الآن. رغم ظهور المطاعم أمريكية الطابع، مثل (الماكدونالدز) ومتاجر السلع الغربية الشهيرة، إلا أن ملامح برلين الشرقية كما رأيتها ماتزال غالبة على الجزء الشرقي، وذلك بسبب نمط العمارة حيث أقام النظام الاشتراكي مجمعات سكنية متشابهة الواجهات، تشبه المساكن الشعبية التي اقامتها ثورة يوليو للفقراء في مصر، بالطبع تم تغيير معالم المباني الرئيسية، ورصف الطرق، في مدينة ليبزج مثلا فوجئت بما حدث في محطة القطار الرئيسية، لقد رأيتها من قبل في عام سبعة وثمانين وفي عام تسعين، بناء ضخم يرجع إلى نهاية القرن التاسع عشر، ويمكن اعتباره من أجمل محطات القطار في أوروبا، لقد حوفظ عليه، لكن تم فتح عدة متاجر في الطابق الأسفل والأول تعرض المنتجات الفاخرة بدءا من السيجار الكوبي وانتهاء بالأزياء الشهيرة وبالطبع محلات الأطعمة والمشروبات السريعة. في برلين، يحتل معهد جوته بناء كبيرا كان مخصصا لإحدى إدارات البوليس السري في ألمانيا الاشتراكية وبالتأكيد الاختيار ليس وليد الصدفة، مقر الرقابة والتعقب أصبح مركزا ثقافيا يحمل اسم أعظم أدباء ألمانيا. أحد الحاضرين وجه إلينا سؤالا عما إذا كان الكاتب يعبر عن الزمن الذي يعيشه؟ قلت إن المتغيرات التي عاشها جيلنا عنيفة، لقد ولدت على سبيل المثال في ظل النظام الملكي، ثم قامت ثورة يوليو، وتعرضت مصر للعدوان الثلاثي، ثم قامت الوحدة مع سوريا ثم الإنفصال، حرب اليمن، حتى وقوع الكارثة الكبرى عام سبعة وستين ثم حرب ثلاثة وسبعين ثم المتغيرات الاجتماعية في السبعينيات، وصولا إلى ما يحدث للشعب الفلسطيني الآن على أيدي قوات الاحتلال، لقد نشأ جيلنا على أساس أن القضية العامة أمر خاص، وقد كنت أعاني خلال المشاكل العامة أضعاف ما أعانيه نتيجة مشاكلي الخاصة جدا، ولذلك لا يعد الكاتب من جيلنا معزولا عن الواقع، أنه جزء من صراعاته أيضا، فمصدر اختلافنا عمن سبقونا أن لكل منا موقف، ومعظمنا عرف المعتقلات والفصل والتشريد بسبب ذلك. قال إبراهيم أصلان انه يوافقني على ما قلته، ويضيف إلى ذلك رؤيته لعلاقة الأحداث بالرواية الأمر ليس كيفية تناول قضايا الواقع، إنما تحويل تلك الأحداث إلى أداة للتعبير عن أمور كثيرة، بالطبع تظل الحياة مصدرا غنيا، فبدلا من الحديث عن الحرية الأفضل أن أكتب بحرية وبدلا من الحديث عن العدالة الأفضل أن أدعو إلى العدالة. سأل أحد الحاضرين (ألماني) عن الخوف من ضياع الهوية الثقافية المصرية في إطار العولمة؟ قلت إن الركائز الثقافية في مصر قوية، ولكن هذا لا يعني الإستسلام لتلك الفكرة، إنما يجب العمل على تقويتها، والعناية باللغة العربية، وألا نكتفي باتخاذ موقع المتلقي، وأن نتجه شرقا وجنوبا كما نتجه شمالا وغربا. لاحظت أن حديثنا عن الخصوصية الثقافية يلقى تجاوبا كبيرا من الحاضرين، ويقابل بترحيب ويبدو أن وطأة الحضور الأمريكي بدأت تثقل الحضارة الأوروبية، هذا ما شعرنا به، خاصة في أحاديث مثقفين عديدين. سؤال من (ألماني) عن أثر الأدب في مجتمعاتنا وحدود انتشار الأدب؟ وهل هناك اهتمام بالأدب خارج حلقات الأدباء؟ قال إبراهيم أصلان ان دائرة قراء الأدب من غير الأدباء موجودة، ولكن ثمة وسائط حديثة الآن أثرت على القراءة، مثل التلفزيون والسينما والإنترنت، ولم يتم استخدامها حتى الآن في اتجاه توسيع رقعة القراء. قلت ان الكاتب في الثقافة العربية عموما والمصرية خصوصا له وضع خاص يعكسه تقديس مهنة الكتابة في مصر القديمة، ولعل تمثال الكاتب المصري الشهير يقدم فكرة واضحة عن ذلك، ترتبط الكتابة في تراثنا بالقداسة، وحتى إذا كانت دائرة القراء محدودة فإن تأثير الأدب على المدى البعيد أعمق سؤال من ألماني عن لغة الكتابة ولغة الحوار اليومي؟ قال إبراهيم أصلان إنه يلجأ إلى العامية لأنها أصدق، الفصحى لغة مهيمنة، نبرة الحكي الشعبي ضد هذه الهيمنة. قلت انني من خلال استيعابي لأساليب السرد القديمة والشعبية، توصلت إلى لغة تحاكي البلاغة الخاصة بمصر، فالإطار فصيح، ولكن التراكيب اللغوية أقرب إلى العامية، وهذا ما نجده عند المؤرخين القدامى مثل ابن إياس وابن تغري بردي والجبرتي وغيرهم، الفصحى إطاراتها ثابتة، ولكن العامية تتغير بسرعة شديدة بل إن بعض جوانب اللغة العامية في السبعينيات لم تعد مفهومة الآن. في جميع الندوات التي شاركنا فيها، كان سؤال عن القضية الفلسطينية حاضرا، وفي هذا الصدد تحدثنا بروح واحدة تقريبا، وأوضحنا للجمهور أن ما يجرى في فلسطين ليس حربا بين قوتين متكافئتين، أو بين جيشين متساويين، إنما هي حرب يشنها أحد أقوى جيوش العالم ضد شعب أعزل تقريبا، إنما هو أعزل بالفعل، فماذا تفعل البنادق والرشاشات الخفيفة ضد أحد أقوى دبابات العالم، الميركافا الإسرائيلية، وطائرات الأباتشي الأمريكية الصنع وطائرات الاف 15 التي تعد أحدث مقاتلة في العالم وتهاجم بها إسرائيل المدنيين. كانت أحداث الغزو الإسرائيلي لأراضي السلطة الفلسطينية لا تزال في بدايتها، ولكن ما وصل من مشاهد مروعة عبر أجهزة الاعلام المرئي لذبح المدنيين، ومشهد عربات الاسعاف، وإطلاق النار على الصحفيين، وتعطيل دفن الشهداء، كان أبلغ من أي إجابة، ولم يكن عسيرا أن نرصد بدايات التحول في مشاعر الناس ومواقفهم هنا.