رياح عاتية تهب على المشروع الصهيوني وتهدد ثوابته تهديدا جديا رغم ما يتسلح به الكيان الصهيوني من أسلحة تقليدية وغير تقليدية، ورغم ما يبديه من شراسة في التعامل مع الشعب الفلسطيني. ففي الداخل يسود شعور طاغ بأن الحرب والتسوية السلمية كلاهما لا يضمنان تحقيق الأمن. إذ تؤدي المواجهة مع الشعب الفلسطيني إلى مزيد من الإحساس بالخوف ومزيد من اللجوء إلى العنف بما يعنيه من إساءة إلى صورة الكيان الصهيوني في العالم. وإلى جانب آثاره الاقتصادية السيئة، ينعكس هذا الخوف بالضرورة على قدرة الكيان على أداء وظيفته كحارس للمصالح الغربية في المنطقة، إذ يتحول الحارس من مصدر للإحساس بالأمن إلى رمز متبلور لتبدد الأمن، كما أنه يضفي مزيدا من القتامة على صورة المستقبل. خرافة «إسرائيل الآمنة» وحالة المواجهة على المستوى البنيوي تقطع بأن الكيان الذي أنشئ ليكون «دولة اليهود» أقل مكان يمكن أن يشعر فيه اليهود بالأمن على وجه الأرض، فضلا عن أن هذه المواجهة تقلص قدرة الكيان الصهيوني على إغراء مزيد من يهود العالم للهجرة إليه لمواجهة مأزق ديمغرافي يتسم بأنه عميق ومزمن في آن واحد، فاحتمال الذوبان في «بحر من الأعداء» يعد بالنسبة للإسرائيليين كابوسا فظيعا وخاصة في ظل معدلات زيادة سكانية متدنية وازدياد كبير للروح الاستهلاكية بين الصهاينة. وشيوع هذه الروح لا يقتصر أثره على العزوف عن تكوين أسر، أو الاكتفاء بأسرة صغيرة بل يمتد ليشمل فقدان الحافز للخدمة في الجيش الصهيوني، إذ حلت الرغبة في الاستمتاع والاستهلاك محل الحلم الصهيوني التقليدي، «الرائد» الذي يبني بيته بجانب البركان ويحقق ذاته من خلال القتال. وتشكل هجرة الفلاشا علامة فارقة في تاريخ المشروع الصهيوني الذي تأسس على يد اليهود الإشكناز من شرق أوروبا ليكون جيبا استيطانيا غربيا، فبسبب الصراع الديمغرافي لجأ الصهاينة إلى تهجير يهود البلاد العربية الذين أصبحوا بمرور الوقت المجموعة السكانية الأكبر عددا، وقد أدى هذا إلى ظهور الصدع الأكبر في بناء الكيان الصهيوني وهو الصراع السفاردي / الإشكنازي. أما تهجير يهود الفلاشا، فرغم أنه أحدث آثارا سلبية أقل حدة من الصراع السفاردي / الإشكنازي إلا أنه كان اعترافا بأن المشروع فشل في إقناع يهود الغرب بالهجرة إليه، كما كان إشارة قوية إلى أن الكيان سيعطي أولوية للبقاء على تحقيق الذات أو الحفاظ على الهوية. ويكاد الكيان الصهيوني بعد هجرة يهود الاتحاد السوفييتي (السابق) يتحول إلى مجتمع من المهمشين من شتى أنحاء العالم، فنسبة غير اليهود بين هؤلاء المهاجرين تتجاوز 30 % هم خليط من المسيحيين وأدعياء اليهودية والملحدين. وقد وصلت الأزمة إلى قمتها بادعاء أن قبائل البشتون المسلمة التي تتوزع بين أفغانستان وباكستان هي قبائل يهودية يجب تهجيرها للكيان، ثم تحولت الأزمة إلى ملهاة عندما قامت منظمات صهيونية بتهويد بعض قبائل الهنود الحمر وتهجيرها بالفعل للكيان الصهيوني!! الدياسبورا الإسرائيلية أما الهجرة من الكيان الصهيوني فهي أكبر هزيمة مني بها المشروع الصهيوني منذ ظهوره، فخلال أقل من نصف قرن على نشأته هاجر منه عدد يتراوح بين سبعمائة ألف يهودي ومليون يهودي اختاروا حياة الشتات، وأصبح الكيان الذي أنشئ ليحل محل الجماعات اليهودية المشتتة في العالم ويجمعها في دولة واحدة مصدرا لهجرة اليهود للعالم !!! وخلال عمر انتفاضة الأقصى تفاقمت الظاهرة بشكل غير مسبوق، وبدأت أجراس الإنذار تنطلق في عواصم أوروبية عديدة محذرة من طوفان هجرة يهودية من الكيان الصهيوني، وكأن التاريخ عاد إلى الوراء قرنا كاملا. ففي المجر حذر الزعيم اليميني المتطرف إيزتفان سوركا سكان العاصمة بودابست من أن الأجانب، وعلى رأسهم الإسرائيليون، يحاولون شراء المساكن والشقق في العاصمة المجرية هربا من المشاكل في الشرق الأوسط،الأمر الذي يهدد المجريين بمنافسين جدد لهم في معيشتهم. وأوضح الزعيم المجري اليميني في مؤتمر صحفي عقده خصيصا للتحذير من التحرك الإسرائيلي، أن الأسباب الاقتصادية وحدها لا يمكن أن تفسر سبب شراء الإسرائيليين الشقق والأملاك الأخرى. وأشار إلى أن ذلك يجب أن يفسر بوصفه هجرة مستهدفة. وقد استخدم الزعيم اليميني تعبير «مساحة الحياة» الذي شبهه البعض بالتعبير الشهير الذي صكه الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر «المجال الحيوي» لتبرير سياساته التوسعية والعنصرية. وأكد سوركا أنه لا يعارض مجيء الألمان والنمساويين والإسرائيليين بل والصينيين إلى بودابست، لكن من الضروري أن يعرف المواطنون نسبة الأملاك المشتراة في المدينة التي تهدد المجال الحيوي للمجريين، وإيقاظ هذه المخاوف سيكون له توابعه. الفرار من السلام ورغم أن ادعاء الرغبة في العيش في سلام كان أحد ثوابت الخطاب الديبلوماسي الصهيوني الموجه للغرب، فإن الكيان الصهيوني يفر من السلام إلى الحرب لإدراك نخبته السياسية - وبخاصة البقية الباقية من جيل مؤسسي الكيان - أن زوال حالة الصراع تعني : أولا زوال حالة الإجماع القومي التي يصنعها الشعور بأن وجود الكيان مهدد، وتعني ثانيا ظهور الشروخ والتصدعات التي تزداد تعمقا في المجتمع الصهيوني، فإلى جانب الصراع الأكبر (الحاكم) بين الكيان الصهيوني والمحيط الحضاري العربي الإسلامي الذي زرع فيه، هناك تحت السطح : صراع إشكنازي/ سفاردي، وصراع ديني/ علماني، وصراع ثلاثي بين الأرثوذكس والتجديديين والمحافظين، ونزاع أقل حدة بين الكيان والجماعات اليهودية في العالم، هذا إلى جانب إحساس عميق بالافتقار إلى التناغم الثقافي واللغوي. والخلافات بين الفرقاء تشمل هوية الدولة وحدودها والموقف من الفلسطينيين ومن الغرب وتمتد إلى مخططات المستقبل. وكلها صراعات تحتل واجهة المشهد عندما يسكت الرصاص. وضريبة الفرار من السلام تبدو أكثر وضوحا في صورة الكيان الصهيوني في الغرب ودرجة تعاطفه معه، ففي استطلاع للرأي العام نشر في باريس جاء أن 9 % فقط من الفرنسيين لا يزالون يتعاطفون مع المواقف الإسرائيلية (مقابل 14% منذ عام مضى)، في حين أعلن 19% منهم تعاطفهم مع المواقف الفلسطينية (أي بزيادة 1% مقارنة باستطلاع أجري العام الماضي)، وتشير الأرقام بوضوح إلى أن التغير لا يستغرق زمنا طويلا بل تتغير الصورة من عام إلى عام. ووفقا لاستطلاع آخر أجرته مؤسسة (بي. في. أي) ونشرته صحيفة (ليبراسيون) الفرنسية فإن أكثر من ثلث عينة الاستطلاع أعربوا عن عدم تعاطفهم لا مع الإسرائيليين ولا مع الفلسطينيين (مقابل 38% العام الماضي). وفي حال اندلاع نزاع عسكري واسع في الشرق الأوسط فإن 21% قالوا إنهم سيحملون إسرائيل مسئولية الحرب مقابل 11% سيلقون المسئولية على الفلسطينيين. ويظهر الاستطلاع الذي شمل عينة من 965 شخصا أن 42% من الفرنسيين يعتبرون أن تغطية النزاع من قبل وسائل الإعلام تتم بشكل موضوعي (مقابل 56% العام الماضي)، واعتبر 18% إنها منحازة لصالح الإسرائيليين (مقابل 9% العام الماضي)، و7% يرون أنها منحازة للفلسطينيين مقابل (9% العام الماضي). هل عاد هتلر؟ الجدير بالتوقف أن 49% ممن شملهم الاستطلاع أعربوا عن خشيتهم من تنامي مشاعر معاداة اليهود في فرنسا. ورغم أن هذه النسبة تمثل تراجعا عن نسبة للعام الماضي، إذ قدر 70% من عينة استطلاع مماثل وجود هذا الخطر. إلا أن رئيس مجلس أساقفة فرنسا المونسنيور جان بيار ريكار اعتبر أن تنامي معاداة السامية في فرنسا ليس «وهما»، مشيرا في الوقت نفسه إلى ما أسماه «انعكاسات النزاع الإسرائيلي الفلسطيني» في بلاده وتسببه في هذا التنامي. وتساءل : هل يمكن أن يوجه المرء أيضا انتقادات لإسرائيل من دون أن يوصف بمعاداة السامية؟ وأضاف : أنا أتمنى ذلك. ومع تصاعد نفوذ التيارات القومية اليمينية المتطرفة في أوروبا، وهي عدو تاريخي للوجود اليهودي في القارة، وفي ضوء تنامي هذه المخاوف أعلنت الحكومة الإسرائيلية عزمها إقامة منتدى دولي لمكافحة معاداة السامية، في خطوة يعتقد أنها تأتي ردا على تزايد عدد الأعمال المعادية لليهود في أوروبا. وجاء في بيان لوزارة الخارجية الإسرائيلية أن هذا المنتدى سيضم ممثلين عن الحكومة وأجهزة الاستخبارات ومنظمات يهودية بالإضافة إلى جامعيين. وفي السياق نفسه وقع اثنان من اتحادات الكنائس الأوروبية ميثاقا عالميا لتطوير التعاون بين الكنائس المسيحية على نطاق القارة الأوروبية. وتعهد الموقعون على الاتفاق بمحاربة كل أنواع العداء للسامية واليهودية في الكنيسة والمجتمع. كما تعهدوا بتطوير الحوار مع بقية الأديان والمذاهب الأخرى. ووقع الاتفاق رئيس مجلس اتحاد الأساقفة الأوروبيين الكاثوليك ورئيس اتحاد الكنائس الأوروبية التي تضم نحو 100 جماعة بروتستانتية وأنجليكانية وأرثوذكسية. ويعترف الميثاق، وهو غير ملزم للموقعين عليه، بحرية الأديان ويعارض كل المحاولات الرامية لاستخدام الدين والكنيسة لأغراض عرقية أو قومية. وأعلن الاتحادان عن معارضتهما لكل أشكال الدعوات القومية التي تؤدي لاضطهاد الآخرين والأقليات العرقية. فإذا كان المشروع الصهيوني قد فشل في جذب الجماعات اليهودية لتهاجر إليه، وفشل في تحقيق الأمن لمن هاجر إليه منهم، وفشل في بلورة الهوية اليهودية، فهل اختلفت الصورة كثيرا عما كانت قبل قرن مضى؟ الأرجح أن المشروع الصهيوني في واحدة من أعمق أزماته، وعنفه الشديد لا ينفي ذلك بل يؤكده، لكننا للأسف أسرى حالة الضعف العربي المخيفة. ـ كاتب مصري