في عاصفة هذا الغضب العربي العارم، تستوقفني احيانا تساؤلات مشروعة تستدعي اجوبة مقنعة. منها سؤال صرحته علي احدى مشاهدات قناة قطر الفضائية عندما شرفتني هذه القناة بدعوتي للتعليق ، على لحظات الجمر يومي الخميس والجمعة الماضيين. وكان السؤال مشروعاً وغاضبا، جاء ردا على ملاحظة سقتها وهي ان امريكا ليست دولة عادية كبقية الدول، فهي قارة كما يفيد اسمها (القارة الامريكية) واداريا وسياسيا، هي ايضا كما يدل اسمها (الولايات المتحدة) وهي تسمية عربية باجتهاد للأصل الانجليزي: united states الذي يعني في الحقيقة دولا متحدة، لا مقاطعات أو محافظات كما نتصور وكما يوحي الاسم العربي. وبين هذه الدول من الاختلافات الجوهرية الكثير الكثير في الاصول والطبيعة والثقافة والاعراق والاديان، الى جانب فوارق الاقتصاد والاجتماع. وقد قلت في البرنامج التلفزيوني ان لدى الغرب مستشرقين اي خبراء وعلماء في المشرق وحضاراته ولغاته وسياساته، وليس لدينا نحن مستغربون اي خبراء وعلماء في الغرب وحضاراته ولغاته وسياساته. ومع الاسف ليس لدينا إلا حلفاء للغرب او اعداء للغرب. وهو اسوأ ما يمكن ان تكون عليه علاقاتنا بهذا الغرب وبأمريكا بالذات. فلا يمكن ان نقول مثلا ان امريكا عدوة بالكامل ولا انها صديقة بالكامل، لأن ما نسميه امريكا بكل التبسيط والاختزال غير موجود في الواقع. فأمريكا هي خمسون دولة STATES، اي خمسون قانونا محليا وخمسون رؤية مختلفة لقضايا العالم. وامريكا هي الادارة الامريكية اي السلطة التنفيذية المنتخبة كل اربع سنوات وعلى رأسها بالطبع رئيس الولايات المتحدة واعضاء حكومته وأهم المسئولين عن القطاعات العسكرية والامنية الحساسة، كما ان امريكا هي الكونجرس وهو السلطة التشريعية العليا بأعضائه الفاعلين وذوي التأثير الواسع على ولايتهم وعلى السياسة الفيدرالية، وأمريكا هي اللوبيات الكبرى التي تملك حكومة الظل الحقيقية الماسكة بخيوط القرار في امريكا وفي العالم، وهي متمركزة في مانهاتن كما يقول البروفيسور بول ميرست والبروفيسور جراهام تومبسون في كتابهما «الاقتصاد العالمي وامكانات التحكم»، ثم امريكا هي صاحبة السلطة الاعلامية العالمية بواسطة التحكم في شبكة الانترنت وانتاج 75% من برمجيات واقراص الوسائط المتعددة.. المسيطرة على عقول الجيل الجديد في العالم بأسره، كما اكد ذلك البروفيسور فيليب تايلور في كتابه «قصف العقول». وأمريكا كذلك هي مفرخة وراعية دولة اسرائيل، لا لأسباب سياسية واستراتيجية محض ولكن بخلفية لاهواتيه تلمودية معلنة منذ الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، وقد عبر عن ذلك بنيامين فرانكلين وتوماس جفرسن... الى غاية كارتر وريجن وبوش. وهذا ليس كلامي، بل كلام البروفيسور الامريكي والترمالك دوجال استاذ كرسي العلاقات الدولية بجامعة بنسيلفانيا، وكان آخر كتبه يحمل عنوان: «أرض الميعاد والدولة الصليبية.. وأمريكا في مواجهة العالم منذ قرنين». فنحن العرب اذن بإزاء ظاهرة تاريخية غريبة لها خصوصياتها. لأن في امريكا ذاتها أناسا ينصفون قضايانا وقضية فلسطين بالتحديد، ويدينون التخبط الامريكي الراهن في نصرة اجرام نازي بلا حدود. واليوم وأنا أكتب هذا المقال جاءني بريد الكتروني من صديقي الأمريكي ليندن لاروش وهو استاذ اقتصاد ذو سمعة عالمية ومرشح سابق للرئاسة الامريكية عن الحزب الديمقراطي يقول لاروش معلقا على خطاب الرئيس بوش الاخير بأن الخطاب هو صك على بياض لشارون حتى يقتل ياسر عرفات، ويقول بأن على القيادات العربية والاسلامية ان تدعم مطالب شعوبها بمناهضة السياسات الامريكية والاسرائيلية لانها سياسات نازية تستهدف شعبا مسالما وتستهدف السلام والأمن الدوليين» ويضيف لاروش بأن «من بين سكان رام الله السبعين ألفا يوجد عشرة آلاف فلسطيني يحملون الجنسية الامريكية ورجعوا الى فلسطين بعد ان غررت بهم وعود واشنطن، وذلك ليستثمروا ويؤسسوا نهضة دولة حديثة وعصرية ومسالمة، وأن من الاجرام عدم الدفاع عن هؤلاء الفلسطينيين الامريكان الذين تغتالهم ايدي الصهيونية المتعجرفة على مرأى ومسمع المجتمع الامريكي..». فالادارة الامريكية هي عدوة للحق وللشرعية الدولية في قضية فلسطين بلا أدنى شك وكذلك ستون بالمئة من اعضاء الكونجرس، وكذلك وسائل الاتصال الكبرى مثل اشهر الصحف والمجلات والفضائيات لانها امام ملك لصهاينة او لانها تصدق جهاز (الايبك Ipec) وهو جهاز الدعاية الصهيونية الفاعل بين أمريكا والاتحاد الاوروبي. لكن في امريكا جامعات عتيدة وفيها نقابات قوية وفيها منظمات اهلية نافذة، وهي في مأمن أمين الى اليوم من الدعاية الصهيونية الفجة والسؤال هو ماذا فعلنا نحن العرب لنجسر العلاقة مع هذه الضمائر التي لا تنتظر الا الاتصال بنا وسماع اصواتنا ونصرة قضايانا؟ فأمريكا بهذا المعنى عذراء ونحن عاجزون قاعدون. اين خطتنا العربية الاستراتيجية الاعلامية باتجاه امريكا؟ اين علاقاتنا بجالياتنا العربية هناك؟ كم صرفنا من دولار لخلق لوبي عربي نافذ هناك؟ وبعد ذلك نعجب كيف تعادينا أمريكا!! ـ أستاذ في قسم الاعلام جامعة قطر