لا أعرف لماذا هو شهر سبتمبر، ولماذا هو يوم الثالث عشر منه الذي وضع فيه ياسر عرفات يده في يد السيد اسحاق رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق، ويد الرئيس بيل كلينتون الرئيس الأمريكي السابق، في حديقة البيت الأبيض ليعلن الثلاثة بداية التحقق لأمل كبير في السلام لسكان الشرق الأوسط، المتعطشين له على مدى عقود من الزمن. ولكن هؤلاء السكان المتشككين دائما في الرموز، تطيروا من الرقم ثلاثة عشر، وما لبثوا ان تطيروا من جديد أكثر من شهر سبتمبر الذي وقعت الواقعة الكبرى فيه. وبعيدا عن التطير فلقد تملكني التشخيص المتشائم الذي لم يفارقني في الطريقة والمنهج والوسيلة التي تتبع لحل القضية الفلسطينية، فبعد اكثر قليلا من سنتين من ذلك التاريخ الذي تم التوقيع فيه، نشر كاتب هذه السطور دراسة في مجلة «السياسة الدولية» الشهرية الصادرة في القاهرة، في مطلع يناير 1995 حول مستقبل احتمالات السلام في الشرق الأوسط، أشرت فيه الى احتمال اعادة احتلال ما حرر من الأرض الفلسطينية، كان ذلك يمثل للبعض تشاؤما غير مقنع، ولكنه كان قراءة موضوعية في توازن القوى، حيث «لا خيول ولا رجال» بل فقط الكثير من الحماس منقطع النظير في الصراخ، زاده حماسا في الفترة الأخيرة الفضائيات العربية التي وجدت فيما يحدث زادا يمكنها من جذب المشاهدين العرب الذين يتجمدون أمامها بالملايين، وقد فغروا أفواههم كأنهم يشاهدون فيلما سمجا من أفلام العنف. حروب دون نصر منذ ان خرج الفلسطينيون سنة 1948 من قراهم ومدنهم على أمل ان يعودوا بعد أسابيع قليلة وبدعم من أبناء عمومتهم العرب الذين «كانت جيوشهم ستنطلق» من كل زاوية لتحرير الأرض، منذ ذلك التاريخ البعيد، ثمة تماد صارخ للسخرية التاريخية المرة، فقد لجأ الفلسطينيون الى ابناء عمومتهم من العرب، فلم يقبلوهم، بل اسكنوهم الخيام وحرموا عليهم كل شيء تقريبا، كما لم يساعدوهم على العودة الى بلادهم، وكان الغضب في الشارع العربي هائجا، ولم تعرف الحكومات العربية لا ترويضه ولا التعامل معه، فكانت الحرب التي لم يسبق الاعداد لها، في اغلبها حربا كلامية، فانهارت الجيوش، ثم انهارت العروش. لقد تعاقبت الثورات العربية بعد عام «النكبة» 1948 في أكثر من بلد عربي، فتغيرت الحكومات من أجل تحرير فلسطين، وقاد الأمة العربية «ثوار» لمدة أربعة عقود، انتهى بعضهم لقيادة المظاهرات، وآخرون لكتابة الروايات، أما العمل الصحيح والحقيقي لمواجهة التحدي في فلسطين، وفي أماكن أخرى من أراضي العرب، فلم يفكر فيه أحد، وهو «التحدي الحضاري»، بل إن أفضل ما قدموه هو لعبة التورط ضد بعضهم، فقادوا حروباً كثيرة دون نصر. كتب المرحوم أحمد بهاء الدين مبكراً ومذكراً، ان التحدي الصهيوني لنا نحن العرب هو تحد حضاري في أساسه، وهو امتلاك ما يتوجب العصر امتلاكه من سبل القوة والمنعة: العلم والمعرفة وابنيهما الشرعيين التقنية وبناء المؤسسات، ولم يفهم كثيرون منا ما يقصد بهاء الدين رحمه الله، كما لم نفهم حتى الآن مفردات ذلك التحدي الحضاري، أو نستجيب له بطريقة صحية وصحيحة. ارفعوا سقف الحريات العودة من جديد للأطروحات القديمة نفسها بدأت تتصاعد من حولنا بعد احتجاز السيد ياسر عرفات وقتل الفلسطينيين علنا أمام عدسات المصورين: «افتحوا الحدود للدخول في حرب» يقول البعض بحماسة شديدة، ويقول البعض الآخر: «قاطعوا أمريكا»... وكأن هذا البعض يريد لنا جميعا ان ندخل الدائرة المفرغة نفسها التي بدأت منذ عام 1948، فبعد ذلك التاريخ المشؤوم قالوا لا حل إلا بنسف الانظمة، وفعلها البعض، ولم نفلح، وبعد 1967 قالوا ان الحل في نسف الايديولوجيات، وفعلها بعضنا ولم نفلح كذلك! أما المطلب الرئيسي الذي يفتح الباب لولوجنا العصر، فلم يتحقق أو حتى يعلن بعد، وهو مطلب حضاري يتلخص في القول: ارفعوا سقف الحريات، واسمحوا بثقافة الاختلاف. ودعوني أبدأ ببعض من ذلك، فأي حرب تقليدية اليوم بين عدد من الدول العربية واسرائيل، تعني ان اسرائيل تفرض التوقيت وتحدد الوسائل، وهي قادرة في ضوء «لا توازن» القوى الحالي، على ان تفرض على العرب هزيمة جديدة، بل لعلها تريد هذه الحرب التقليدية التي تجيدها، لأنها مبرر حقيقي أمام العالم لما تفعله. دون سقف عال للحريات في بلادنا العربية الواسعة، واحترام الاختلاف، لن يجد أحد منا القدرة على البحث عن الحقيقة، لأنها مرة، ولأنها مدمرة لمن يقولها، في الفضاء العربي أو في أغلبه، ودون قول الحقيقة، واتاحة مساحة للاختلاف والنقاش، وعرض التصورات، وحفظ حياة من يقول بالرأي المخالف، الذي لا يتوافق مع ما ترى الجماعات المتسلطة انه قطعي ونهائي، دون ملاحقة أو معاقبة، من دون ذلك، لن نجد بيننا من يقول الحقيقة، بل سنجد كثيرين يصرخون كما نفعل، وينفعلون كما هي حالنا، ويمجدون الوضع القائم دون رسم خيار آخر متاح... ودون البحث عن الحقيقة ستغيب وسيلة الردع المثلى، وسنفقد أكثر وأكثر، مساحات من أرضنا، بل كرامتنا، والكثير من دمنا الفلسطيني المراق. الحرب ضد العدو بمعناها الواسع، تحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى معرفة: لماذا تفوق العدو، وبأي وسيلة، وقد تفوق العدو لانه تشيع في صفوفه ثقافة الاختلاف، واختلافهم مقنن، يختلفون الى درجة ان يرفض جنودهم الحرب لسبب اخلاقي او غيره، فلا يصلبون أو تقطع رؤوسهم، بل يطبق عليهم القانون المرسوم مسبقا وهو قانون يعرفه الجميع قبل ان يخالفوه، ويستطيع بعضهم ان يتظاهر في الشارع ضد مايجري للفلسطينيين، يضربون .. نعم، ولكنهم لا يعدمون، وهي الدولة التي رفع مواطنوها في داخل ارضها العلم الفلسطيني في تظاهرة نقلت على وسائل الاعلام. انها الحريات، ولكني لست من السذاجة او عدم الخبرة لأقول ان المجتمع الاسرائيلي مجتمع ديمقراطي بالمطلق، هو تعددي في ذاته، وعنصري ايضا، ولكن بين افراده قواعد يحافظون عليها. سبب تقدم الشعوب هو الحريات المقننة، التي تجعل من المواطن عضوا فاعلا في شأنه العام، يقرر ويتفاعل ويتحمل المسئولية. وقد تفوق العدو لأنه استخدم التقنية الحديثة، وهي تقنية مكنته من ان يوقع عقدا مع أكبر دولة تضم اكبر عدد من البشر في التاريخ وهي الصين، من اجل تزويدها بالتقنية العسكرية الحديثة، وهو ايضا الذي اتفق مع دولة اقليمية كبيرة في منطقتنا، وهي تركيا، على ان يضطلع خبراؤه بصيانة طائراتها الحربية، وهو الذي استطاعت مصانعه ومؤسساته تصدير ما قيمته 7.7 مليارات دولار قبل ثلاث سنوات (حسب المعلومات المنشورة عربيا) من التقنية الحديثة، وفي القلب منها تقنية المعلومات، الى العالم (!). الخروج من المأزق دراسة قوة العدو على وجه الدقة لايجوز اختصارها بالقول ان وراءها امريكا فقط، وكفى الله المؤمنين القتال، والتفكير .. (!)، فأمريكا لها مصالح مع العرب، ومع الاسرائيليين ايضا، ودولة اسرائيل ليست عميلة دون تحفظات لامريكا، فهي ذات مصالح خاصة بها، الا ان هناك موضوعين يقل التطرق اليهما، وهما: الحريات والاستفادة من العلم الحديث. ان اسرائيل تتحدث بلسان واحد، ويتحدث العرب تارة كعرب مجتمعين ظاهريا، وتارة اخرى كطرف فلسطيني،ولم نقنن بعد آلية عقلانية بين العرب والفلسطينيين، لا من قبل المؤسسات العربية، ولا من قبل الفلسطينيين انفسهم، الذين يفتقدون ايضا العمل الجبهوي الصالح والصادق والملائم للزمان والمكان، مما سهل للعدو خلط الاوراق بشدة، حتى باتت القضية تعرض علينا في محطاتنا الفضائية على انها ثكلى تصرخ او مسن يفرغ فيه الرصاص، ونستجيب للمشكلة بتسيير المظاهرات، ونتلفت حولنا، نبحث عن الحكمة او عن طريق للخروج من المأزق، فلا نجد امامنا الا الكلام، ثم المزيد من الكلام بعد الكلام! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت