ما كان ينبغي ان تنتج المظاهرات والمسيرات الشعبية في انحاء الوطن العربي عبارات مناهضة للانظمة، وما كان يجب ان يسود رأي عام فيها سالب، ولا يعكس الا الخلاف في وجهتي النظر بين الشعوب وانظمتها، ولكن ما نسمعه وما نراه، وما تجلبه المكالمات الهاتفية للبرامج التلفزيونية والاذاعية الحية، يؤكد ان هناك لهجة قاسية بدأت تسود، وهذا تماما ينعكس في الرأي العام العالمي عنا نحن شعوبا وانظمة عربية.. الاجابة عن لماذا سادت تلك الاتهامات علنا؟ ولماذا بلغت ما بلغت في مداها؟ ليس مجاله هنا لان الامر مردود الى الخيبة التي اصابت المواطن العربي من ردة فعل عربية تناسب ما يجري على ساحة الواقع، ولان الحرب الطاحنة هناك، ولان جرائم الجيش الاسرائيلي صارت غالبة على الوصف والتوصيف، كان لابد لذلك الانفعال ان يأخذ مداه. مشكلة الانظمة العربية انها لا تتحدث مباشرة الى شعوبها، وانها تحيط تحركاتها بسرية كبيرة وتترك المجال واسعا لتصريحات واخبار وانباء العدو، او اصدقائه الذين يخلقون له المبررات، ليس هناك اتصال مباشر بين الشعوب العربية وقياداتها، ولا خطابات واضحة موجهة اليهم، سوى عبارات وتصريحات مكرورة جملة وتفصيلا، عبارات عائمة تقبل التأويلات والانقلابات في المعنى. الان يحدث ما يحدث، ولو سألت مواطناً عربياً عن موقف نظامه لقال لك انه يشعر بالعار من هذا الموقف. وبهذا فاننا نرى ان الفأس قد وقعت في الرأس ولا يعلم الله الى اين تقود هذه النتيجة الان او في المستقبل؟ والسؤال الذي يفتح بابه مشرعا هنا هو لماذا تتعاطى الانظمة العربية بهذه الدرجة من التعالي في خطابها مع جمهورها وشعوبها؟ ولماذا لا تكون اكثر صراحة واكثر قربا، أو ليست هذه اللحظات الحرجة، هي لحظات تاريخية عصيبة ينبغي ان تثبت فيها الانظمة العربية مدى اقترابها من مشاعر شعوبها؟ واذا كانت الانظمة لا تعتقد ذلك وان هناك اوقاتا اصعب من هذه ستفعل حينها ما يتوجب ان تفعله لتعزيز مكانتها في قلوب شعوبها وتدلل على قربها منهم، فهذا يعني ان القادم اسوأ، ولا نعتقد ان القادم فعلا اسوأ من هذه اللحظة التاريخية الحرجة؟ يسود الجو الاسود، وتفوح رائحة غريبة في العلاقة، ولا احد يود ان يسود ذلك، لكن الملاحظ يرى ان كل الانظمة تسد آذانها عن شعوبها، مثلما هي ترفع يدها تماما عن هذا المنعطف التاريخي في تاريخ القضية العربية. من يستمع الى نداءات ملايين العرب في المسيرات والمظاهرات ربما يقول ان هذه الملايين قد قررت التخلص من أنظمتها؟ ترى كيف سيحلل العدو هذه النتيجة ويستفيد منها في المستقبل، وكيف سيستثمرها من يريد لنا سوءاً عاجلا ام آجلا. قياسات الرأي العام وردات فعله ليست بالمسألة الهينة التي تترك هكذا، لان الاستمرار يولد التراكم وهذا الاخير يشكل عامل ضغط كبيراً وعواقبه دائما ليست في الصالح. ان موقف الانظمة العربية من هذه اللحظات، وموقفها من مطالب شعوبها، وقراءة الخطين بشكل متواز لا تبعث على الطمأنينة. يبدو ان العدو لم يخلق ازمة في فلسطين فقط، بل خلق الازمة خارج حدودها، ويبدو ان الانظمة العربية هي التي تجلب اصبعها صوب أعينها بدون ضغط او تأثير.. فهل تعجبنا هذه النتيجة أم تعجب اعداءنا؟