كان ذلك منذ سنوات قلائل.. وكان موقفا محرجا بغير جدال العبد الفقير وقد جلل الشيب فوديه يجلس في مدرج الجامعة فيما كان البروفيسور الشاب يلقي محاضرته عن الاقتصاد السياسي.. دار المشهد في مساق الدراسات العليا للجامعة في نيويورك وتطرق الحديث عن استخدامات الحاسوب وضرورة توخي الدقة في تغذيته أو تلقيمه بالبيانات إلى هنا والحديث مفهوم رغم أن كنا ـ وربما لا نزال ـ في عداد الأميين من ناحية الكمبيوتر لا نتعامل معه ان فعلنا ـ إلا بحذر أو فلنقل من بعيد لبعيد. فجأة استخدم البروفيسور الشاب تعبيرا قال فيه بلهجته الأمريكية الخارجة من خياشيم الأنف، ولمعلوماتكم فالمسألة غاية في البساطة.. جي إن تساوي جي آوت وبالطبع لم أفهم. وتلفت من حولي أقرأ وجوه رفاق المحاضرة ـ وكانوا في معظمهم شبابا أو متمسكين باهداب الشباب ولكن لم ألحظ أي مشكلة ولا سمعت من يسأل الاستاذ المحاضر عن تفسير عبارته الأخيرة.. جي إن تساوي جي آوت. ولأن الجماعة كانوا وقتها يراعون اعتبارات السن والمشيب في آن معا ، ولان العبد الفقير كان لا يلبث يقدم إضافات لا بأس بها من واقع القراءات والتأملات التي انفقنا سنوات العمر في تحصيلها وممارستها فقد سولت لنا النفس الأمارة بأن نحتفظ بهذه الصورة الإيجابية دون أن نسأل عن فحوى تلك الكلمات اللعينة الشقية التي ظل المحاضر الشاب يكررها دون أن أفهم منها كثيرا ولا قليلا.. ترى ماذا كان يقصد بها أستاذ الاقتصاد السياسي ؟ هل هي اختصار لنظرية في علم الاقتصاد ؟ جي أن تساوي.. الخ. لعلها إذن معادلة في مجال الحواسيب الالكترونية التي استجدت في حياة جيلنا وأدركتنا وقد جاوزنا سني التوثب وقدرة المتابعة.. أو هكذا نحاول أن نبرر تخلفنا ـ شخصيا ـ عن متابعة هذه المستجدات. وفي إطار هذه النوبة التي راودتنا من التفلسف ـ جالت في خاطرنا المهيض سطور كاتب أمريكي كبير قال انه يتبع برنامجا لا يحيد عنه في عطلة نهاية الأسبوع.. يبدأه بممارسة لعبة الجولف في بواكير الصباح. وعند منتصفه يحرص على تناول الغداء في منزل ابنته الوحيدة وأسرتها الصغيرة.. ثم ينهي نهار العطلة جالسا في سكون وخضوع يتلقى درسا في الكمبيوتر على يد حفيده ـ وبالأدق أستاذه ـ البالغ من العمر باسم الله ما شاء الله خمس سنوات قد تقل وقد تزيد، خرجنا من المحاضرة دون أن نفهم الاختصارات التي استخدمها الاستاذ. وظللنا في حال من عدم الفهم على امتداد أسابيع لم تسعفنا فيها القواميس ولا اسعفتنا شجاعة الاعتراف بهذه الخيبة الالكترونية الثقيلة اللهم إلا حين سمعنا عبارة جي ان ـ جي آوت تتردد على لسان إحدى الشخصيات الهامشية في مسلسل كوميدي غاية في الهيافة كان يذاع عند بدايات المساء هنالك استجمعنا أطراف المكانة الوالدية الراسخة وتوجهنا بالسؤال إلى وحيدتنا قائلين كأنما في غير أكتراث: بالمناسبة يا (منى).. ما هي حكاية جي أن جي آوت ردت الآنسة بمزيد من اللامبالاة وكأن الأمر بديهي أو لا يستحق كثيرا من الاهتمام: ـ جاربدج إن.. جاربدج آوت. ـ لعنة الله على الأمريكان ـ لماذا ؟ ـ لا.. ولا حاجة لم يكن المقصود لا معادلة جبرية ولا معضلة حاسوبية ولا قضية اقتصادية وكل ما هنالك أن بروفيسورنا الشاب الهمام كان يقصد ببساطة أن نتوخى الدقة عندما نزود الحاسوب ـ الكمبيوتر بالبيانات أو مدخلا من الوثائق الخام حتى نحصل منه على مخرجات أو نواتج موثوقة وممكن الركون إلى صحتها ولذلك لم يتورع القوم ـ كما ترى ـ عن استخدام كلمة جاربدج بمعنى القمامة أو النفاية ورائدهم في ذلك أن الكمبيوتر لا يبدع التفكير من تلقاء نفسه بل هو يقدم لك النتائج على أساس ما تكون قد ألقمته من مقدمات. تزوده بالفسيخ يقدمه لك فسيخا ولا يحوله إلى شربات كما يشير المثل الشعبي المصري (حيث الفسيخ كما لا يخفي على معلوماتك هو من أتعس أنواع المحفوظات السمكية ، من حيث كمية الملح وبشاعة الشكل وفظاعة الرائحة) والمعنى أن العطار الالكتروني لا يمكن أن يصلح ما أفسده الدهر وما يدخل قمامة في بئر الكمبيوتر يخرج على شكل قمامة لا أكثر ولا أقل، وهكذا أمضينا أياما بغير طائل.. مسهدين على حسك الشعور بالجهل والتخلف. رغم أن المسألة كانت مجرد تعبير كان دارجا بين مستخدمي الحواسيب. ولكن كانت المشكلة تتمثل في ذلك الولع الغريب من جانب الأمريكا باختزال المسميات والعبارات إلى مختصرات يسبكونها من الحروف الأولى للكلمات ويمعنون في استخدامها إلى حد يستعلي أحيانا على الفهم السليم ولسنا نذكر هل حدثناك يوما عن الحيرة التي انتابت جهاز الاستخبارات في بلد عربي كبير كان أفراده موكلين بالتصنت على المكالمات اللاسلكية التي كانت تدور بين سفن ومسئولي الأسطول الأمريكي السادس في مياه البحر الأبيض المتوسط وكم حارت الأطراف العربية في مكالمات الامريكان التي كان يتردد في سياقها اختصار(اف دبليو) حيث ظلت المكالمات المرسلة عبر الأثير تقول : صدرت الأوامر بأن نتجه إلى سواحل إيطاليا من أجل أف دبليو. أو تقول : نحن بحاجة ماسة إلى كميات من أف دبليو، وكم قلبت الأطراف العربية في مفاتيح الشفرة أو معاجم اللغة وربما مراجع التجسس الدولية.. وعبثا توصلت إلى فهم حكاية الإف دبليو إياها. وهكذا ذهبت بها الرياح الظنون وأنواء التخمينات بعيدا بعيدا.. إلى حيث ظلت تفكر في المواد الممنوعة أو المحظورة أو الفائقة السرية بدليل استخدام مختصر صعب بديلا عنها ـ وقبل أن تيأس الاطراف العربية من إجابة السؤال الصعب ـ فوجئت بأن ضابط اللاسلكي على إحدى البوارج الأمريكية يطرح شخصيا نفس السؤال: ـ ما هي حكاية الاف دبليو بحق السماء؟ وجاءته إجابة زميله على الفور: ـ أف دبليو هو فرش ووتر أيها الأحمق. وهكذا كان استخدامهم للاختصار المستعصي إشارة إلى المياه العذبة ومن ثم كانت زياراتهم لموانئ الفرنجة للحصول على كميات من المياه الصالحة للشرب أو للاستخدام الآدمي لا أكثر ولا أقل ويخيل الينا أن ثقافتنا لا ترحب بتلك النوعية من المختصرات أو بهذا الإفراط في الاختزال اللغوي ـ اللهم إلا في أضيق الحدود.. نحن نستخدم مثلا مختصر اليونسكو بدلا من الاسم الطويل لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ونستخدم معه ـ ولكن على استحياء لغوي شديد مختصرنا اليعربي ـ الاليكسو بدلا من اسمها الأصيل وهو المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وقد نستخدم اليونيدو علما على منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية ولكن لأمر ما لا نستخدم مختصرات تعبيرات من قبيل الا يبريد وهو مختصر البنك الدولي للإنشاء والتعمير ولا الايلو بدلا من منظمة العمل الدولية ولا الإيمف وهو اختزال للاسم الافرنجي لصندوق النقد الدولي ولا الهو بدلا من منظمة الصحة العالمية ومن عجب أن المختصرات الأخيرة لم يكتب لها أيضا الرواج أو الذيوع في لغات الغرب.. فكأن الألفاظ والمختصرات لها مثل البشر أقدار وحظوظ مع ذلك فقد شهدت لغتنا الشريفة ـ ولو في فترات متأخرة ذيوع بعض المختصرات المسبوكة في ذكاء بليغ ولو على طريقة الفرنجة. تأمل مثلا مسبوكات سياسية ذاعت منذ الأربعينيات والخمسينيات مثل (حدتو) وهي الحركة الوطنية للتحرر الوطني وقد كانت تنظيما سريا شبه معلن انخرط في سلكه لفيف من اليساريين المصريين فساهموا باقتدار في تعزيز الوعي الوطني والاجتماعي قبل دخول عبد الناصر ساحة العمل الوطني والقومي في دنيا العرب.. ثم جاءت الستينيات بذيوع مختصر جديد ـ فلسطيني هذه المرة هو (فتح) المختصر المقلوب ـ كما تعلم ـ لاسم حركة تحرير فلسطين وها هو العالم يلقي السمع وهو شهيد لبطولات كتائب شهداء الأقصى ـ أحدث ما أنجبته (فتح) وقائدها التاريخي أبو عمار في مضمار التضحية والفداء.. جنبا إلى جنب مع (حماس ) وهي بدورها وليدة مختصر بليغ آخر هو حركة المقاومة الإسلامية. مع ذلك فيبدو أن العرب يتعاملون مع المختصرات والمختزلات بقدر واضح من التحفظ لا يقدمون عليها إلا عند الحاجة وان فعلوا فهم يصدرون عن حس لغوي مرهف ولأداء غرض وظيفي ليتحقق ببلاغة مشهودة وثمة حكاية قديمة يروونها عن محمد بك البابلي وكان من ظرفاء الجيل الماضي في مصر.. واشتهر بحمله عصا انيقة من الأبنوس منقوشا عليها من باب الاختصار الحروف الأولى من اسمه وذات يوم جلس إليه شخص جمع بين ثقل الظل وسخافة الطمع ودار الحوار : طمعان أنا في كرمك يا بابلي.. لو أهديتني هذه العصا. ألم تقرأ هذين الحرفين المنقوشين عليها؟ ميم وباء.. يعني ماذا ؟ يعني. موش بتاعتي..