يمكن للدول العربية أن ترفع من درجة الصراع مع إسرائيل إلى ما هو أعلى من المستوى الحالي وإلى ما دون الحرب، رغم أن الشارع العربي يطالب كالمعتاد برفع الصراع إلى أعلى درجاته. لكن الدول العربية لن تفعل أياً من ذلك.والسبب بسيط.أن قرار الحرب (كي ينجح على الأقل) مرتبط بغطاء إقليمي ودولي لا يبدو أنه متوفر، ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي السابق أصبحت الحروب الناجحة من اختصاص الدول الكبرى القادرة على دفع تكاليفها.وغير ذلك من الأسباب أن الدول العربية فقدت أي أوراق للتأثير الحقيقي على ملف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي منذ انهيار اتفاقات أوسلو على الأقل، وهي لا تستطيع التلويح بشعار الاغراءات لشارون، رغم أنها حاولت ذلك في المبادرة السعودية الأصلية، أي تلك التي تربط بين الانسحاب الكامل والتطبيع الكامل. مع ذلك فالوضع الراهن الذي أوجده رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا سيما في الضفة الغربية وتحديدا رام الله، يتطلب من الدول العربية تحركا من نوع ما، لا ينقذ عرفات وشعبه المحاصرين فحسب، وإنما ينقذ أيضا الأوضاع السياسية في هذه الدول. فالواضح أن دبابات شارون لا تستهدف فقط قمع الفلسطينيين وإذلالهم، لكنها تستهدف أيضا إهانة الدول العربية وإلحاق الأذى المعنوي بحكومات هذه الدول. ومن يشاهد المظاهرات اليومية في الشوارع العربية والشعارات الصاخبة التي ترفعها والهتافات التي تنادي بها، لا بد أن يلحظ أنها تجمع على شيء واحد تقريبا وهو إدانة الصمت العربي الرسمي وتحمل الحكومات المسؤولية عما يحدث.إنها تطالب هذه الحكومات بالتحرك وفعل شئ، بينما هذه الحكومات تلوذ بالصمت أو تعلن هي الأخرى عجزها عن منع ما يجري. والسؤال الذي يطرح نفسه: إلى أي حد سوف يتحمل النظام السياسي العربي ما يحدث؟ إن المسألة ليست فيما إذا كان ما يجري في الشارع العربي مجرد تنفيس احتقان أو غضب شعبي مكتوم، سرعان ما يتبدد وتعود الأمور إلى سابق عهدها.المسألة هي أن العمليات الإسرائيلية الحالية ضد الفلسطينيين من شأنها أن تؤسس لواقع سياسي جديد في المنطقة، سيعكس نفسه بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الدول العربية. ويبدو أن الهدف الذي تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تحقيقه من وراء عملياتها العسكرية الحالية ـ وقد بدأت تتضح معالمه ـ هو إعادة احتلال الضفة الغربية وطرد الرئيس الفلسطيني ومساعديه وآلاف عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية إلى غزة. إنها تسعى إلى إعادة الحكم العسكري الإسرائيلي إلى الضفة الغربية عدة سنوات، ريثما يتسنى بعد ذلك دراسة ما الذي سوف تفعله بها. إن شارون يطمح من وراء ذلك إلى إصابة القضية الفلسطينية بالشلل وإرجاع نضال الفلسطينيين إلى نقطة الصفر.وهو يثابر في الوقت نفسه وعبر المبالغة في قمع الفلسطينيين على تذكير الحكومات العربية بعجزها وضعفها. والسؤال الذي يطرح نفسه مجددا هو: هل تحتمل المنطقة العربية المأساة الجديدة؟ من الواضح أن ما يحدث أكبر من طاقة هذه المنطقة وشعوبها على التحمل.لذلك لن تستطيع الحكومات العربية أن تبقى صامتة أو يظل فعلها يدور في حلقة المناشدات والتحركات الدبلوماسية.الأرجح أن تبادر إلى اتخاذ قرار بقطع العلاقات مع إسرائيل، وهي المجمدة فعلا بحكم الأوضاع الحالية، ورفع درجة حدة الانتقاد السياسي والإعلامي لإسرائيل، وربما حاولت أن تسحب مبادرة السلام التي تبنتها القمة العربية في بيروت. لكن ثمة اتجاه آخر يبدو أن كثيراً من المسؤولين العرب ربما يلجأون إليه أو يجدون أنفسهم سائرين نحوه، وهو النزول إلى الشارع والاشتراك مع مواطنيهم في المسيرات والمظاهرات للتنديد بإسرائيل وشارون والجرائم التي يرتكبها جنوده في المناطق الفلسطينية، ولسان حال أولئك المسؤولين يقول: إنكم تطالبوننا بإعلان الحرب و الجهاد و فتح الحدود لقتال إسرائيل، لكنكم تعرفون أنه ليس بمقدورنا أو ضمن إمكانياتنا ذلك ولا نملك سوى التظاهر معكم! هذا الاتجاه بدأ بالظهور بقوة مع اعتزال الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الاتصالات واللقاءات الرسمية واعتكافه في منزله بصنعاء، ومع اشتراك عدد من الوزراء والمسؤولين في المظاهرات الشعبية التي جرت في بعض العواصم العربية. وقد لا يطول الوقت قبل أن نرى المزيد من المسؤولين العرب يشاركون مواطنيهم في التظاهر والهتاف. لكن إقرار الحكومات العربية بعجزها وضعفها قد يزيل بعض الحرج الذي تشعر به، غير أنه لن يحل مشكلتها، كما أنه لن ينفع الفلسطينيين في شيء، وبالطبع لن يردع إسرائيل عن مواصلة خططها لتصفية القضية الفلسطينية. إن الدول العربية مطالبة رغم وضعها المأساوي الحالي، بمنع حكومة شارون من التلاعب بخارطة المنطقة، وهي يجب أن تفعل شيئا، لإنقاذ نفسها من هذا الانكشاف الخطير، فالحرب وان استبعدت كخيار، إلا أن شعور إسرائيل بقدرتها على إطلاق يديها بحرية على هذا النحو، من شأنه أن يجعلها تطمع في تحقيق المزيد من المكاسب على حساب العرب، داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها. وما قد تستنكف العواصم العربية من الإقدام عليه في الوقت الراهن، قد تجد نفسها مضطرة للانجرار إليه جرا في المستقبل. فالانهيار على الجبهة الفلسطينية ليس سوى مقدمة لانهيارات في أمكنة عربية أخرى. ـ كاتب بحريني