يتضح الآن شيئا فشيئا ان ملامح صورة جديدة للساحة الفلسطينية يجري السعي للانتهاء من رتوشها الأخيرة في أقرب فرصة، فخطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الاخير، اكد على تورط الولايات المتحدة ومشاركتها في كل ما يحدث، كما اكد على ان تصريحات المسئولين الأوروبيين قبل يومين من خطاب بوش فيما يتعلق بإمكانية وجود شخصيات فلسطينية غير الرئيس ياسر عرفات يمكن الحديث معها، وإعلان باول انه لن يلتقي عرفات، كلها تؤكد على ان هناك تواطؤا أمريكيا أوروبيا داعما لاسرائيل في اجراء تغييرات جوهرية في السلطة الفلسطينية وقيادتها ومهمتها ودورها في فلسطين، بل انهاء أوسلو بكل تبعاتها ومسئوليها ومسئولياتها. فالمرحلة الاولى اصبح واضحا الآن انها قد انتهت، وقيام اسرائيل باحتلال المدن والقرى الفلسطينية التي كانت تابعة للسلطة في الضفة الغربية واحدة تلو الأخرى مع ازالة كافة المعالم التي كانت تدل على وجود سلطة فلسطينية، دليل على اعداد مرحلة جديدة تأخذ اسرائيل فيها بزمام كل شيء ثم تضع من تريد على رأس هذه القرى والمدن وتسلمه ما تريد منها، ليحقق لها الأمن الذي عجزت هي عن تحقيقه لنفسها بكل ما تملك من امكانات وامدادات امريكية وأوروبية. خطاب بوش الأخير والذي قبله وغلاف الأسبوع الماضي من مجلة نيوزويك الأمريكية حول مستقبل اسرائيل وكتابات العشرات من الكتاب الاسرائيليين في الصحف الاسرائيلية والكتاب الموالين لهم في الصحف الغربية، يؤكد على ان اسرائيل وأمنها ومستقبلها في خطر بالغ وأن مرحلة أشبه ما تكون بمرحلة بناء الدولة الصهيونية عام 1948 قد بدأت عام 2002، وأن هدفها هو الأمن الذي لم يتحقق للدولة المغتصبة طوال العقود والحروب الماضية ولن يتحقق على أي مدى وتحت اي سلطة كما ترى جماعة (ناتوري كارتا) اليهودية التي تنشط الآن بشكل بارز في أمريكا وأوروبا، وترى وفق نصوص العهد القديم أي التوراة بأنه لن يكون هناك سلام في العالم إلا بزوال دولة اسرائيل، وأن الصهيونية هي حركة ملحدة علمانية استطاعت ان تخترق اليهودية وهي التي ورطت اليهود في حروب متتالية وأنه ـ حسب معتقدات (ناتوري كارتا) التي تستند الى التوراة ـ ليس من حق اليهود التجمع في فلسطين إلا بعد نزول المسيح، وأن اليهود الذين تجمعوا في اسرائيل الآن اعتدوا على الله وان زوال اسرائيل سيكون مصدر السلام للعالم. هذه المعتقدات ليست لحركة حماس وإنما لجماعة يهودية نشطة في الغرب الآن أصبحت مصدر خطر خارجي على اسرائيل اكثر من حركة حماس وحركات المقاومة الأخرى. من هنا فإن اسرائيل تواجه خطرا حقيقيا في وجودها داخليا وخارجيا، هذا الخطر الذي جعل الغرب المسيحي يتغاضى عن الاعتداءات الاسرائيلية على الكنائس حتى القديمة والرمزية منها وعلى رأسها كنيسة المهد. ان هناك قراءات عديدة للمعالم النهائية للصورة التي يسعى الغرب المسيحي لرسمها للدولة الصهيونية في مرحلتها الجديدة، نحاول تقديم قراءة منها من خلال المعطيات المختلفة لكل ما يدور على الساحة او وراء الكواليس مما أشرنا الى بعضه ونوجزها فيما يلي: انهاء الدور القيادي للرئيس عرفات المنتخب على عين الغرب من شعبه عام 1996 بل اصبح غير مرغوب فيه رسميا أمريكيا وأوروبيا، ولأن هذا الأمر ليس سهل التحقيق فسوف يتم عزل عرفات وتهميشه وإنهاء دوره فعليا شيئا فشيئا، ودفع آخرين بشكل او بآخر للدخول في مفاوضات مع الاطراف الامريكية والاسرائيلية تحت مظلة مصلحة الشعب الفلسطيني. في الوقت نفسه تكون اسرائيل قد انتهت من عملية اعادة احتلال كل مدن وقرى الضفة وقامت بعملية فرز لكل بيت وأفراده الغائب منهم والحاضر وتجميع السجلات والوثائق في مسح دقيق تتخلص فيه من المناهضين لها، اما المحيطون بعرفات فيتم عزلهم شيئا فشيئا والتخلص تدريجيا من اشدهم ولاء له وربما تصفيتهم، او نفي الآخرين او حتى اعتقالهم، مع ترتيب ان تكون القيادة البديلة في المرحلة الاولى جماعية وتنقسم بين بعض الاسماء التي كانت متداولة في المراحل الماضية ومن الممكن ان تنتهي الى قيادتين ظاهرتين في غزة والقطاع، مع قيادة امنية تنفيذية حقيقية جماعية ربما تتكون من خمسة أشخاص تكون على صلة مباشرة بالاسرائيليين وهي التي تدير شئون غزة والضفة.اما الرئيس عرفات ان لم تتم تصفيته فتتواصل اجراءات حصاره واجباره على التنحي او اللجوء الى دولة عربية ليبقى رمزا يجوب المؤتمرات التي يدعى لها على غرار الرئيس مانديلا على سبيل المثال، على ان العرب لن يتعاملوا مع عرفات كما كانوا يتعاملون معه في مراحل النضال او مراحل السلطة. اما المقاومة فإنها ستعود بقوة الى الخلايا السرية والعمل السري وستسعى ان تكون ضرباتها موجعة، وفي حالة وجود سلطة أمنية متعاونة مع الاسرائيليين ـ ونأمل ألا يتحقق ذلك ـ فإنها ستصبح هدفا للمقاومة التي سوف ينخرط فيها الكثيرون من كل الفصائل الذين جربوا السلام المزعوم، ورأوا نتائجه. ان اسرائيل في خطر بالغ عبر عنه بوش وعبر عنه الأوروبيون وعبر عنه شارون في حواره الأخير مع مجلة النيوزويك الامريكية، وهذا الخطر هو الذي يجعل الجميع متواطئا بشكل ظاهر لا يحتمل التأويل، لكن كل ما يقومون به لن يزيل الخطر عن اسرائيل ولن يحقق لها الأمن، بل انه رغم كل ما في هذه الصورة من قتامة قد يدنو بها نحو نهايتها. ـ كاتب واعلامي مصري