نتأرجح بين منطق العقل وثورة القلب وفورة الدم في هذه الأيام الفلسطينية المرة التي هزت القلوب والشوارع في وطن العرب ولم تهز أركان سفارات العدو الراسخة، في بعض العواصم العربية. وتلفّنا نيرانُ تلك الأيام الفلسطينية بأثواب من الفَخَار والعار: الفخار بالعمليات الاستشهادية والمقاومة والصمود البطوليين للشعب الفلسطيني، والعار من العجز العربي العتيد الذي يفرخ مقتاً وإحباطاً في كل ثانية من ثواني الوقت ويملأ النفوس ثورة وغضباً يسيلان في الشوارع ويصبان في الصحراء. نتأرجح هذه الأيام بين الجليد واللهب، بين موت التآكل الاجتماعي وبؤس التدبير السياسي وشدة التدمير المعادي من جهة والاستشهاد المحيي للأمل والروح والإرادة من جهة أخرى، وما بين الجليد واللهب توجد منزلة بين المنزلتين قد تريح بشراً وينشدها كثيرون، ولكن كل منزلة لا توقف إراقة الدم البريء واشتعال النار في البيوت والدمار الذي يأتي على العمران وسيل العار الذي يغرق أرضنا .. كل منزلة لا تشفي قلباً ولا تريح ضميراً ولا ترد الصوت على من يصرخ من وراء ستار الموت والقهر منادياً أهله وبني البشر من كل الأجناس أن يهبوا لنجدته ويخرجوه من محنته أن ينقذوا طفله وبيته ومقدساته من القدَم الصهيونية الهمجية، كل منزلة من ذلك النوع ليست منزلة مقبولة عربياً وإسلامياً في هذه الأيام الفلسطينية المرة، التي جعلت جبين الإنسانية يندى خجلاً والشارع العربي يسيل عجزاً وصحوة وصخباً!؟ ولا أدري كيف أتلمس طريقي إلى القول وأنا محاصر مثل شعبي في فلسطين باللهب والجليد .. بالدبابات وصرخات الاستنجاد التي يبتلعها محيط العجز العربي المتلاطم وتميتها المسوغات الممجوجة لصمت رسمي ينداح في مساحة الأرض العربية، هل أتدفق صخباً مع ضجيج قلبي وفورة دمي و«أحرق الشمس بنار دمي وحرارة قولي» بينما أنا أحبو في الأحافير بين ضفتي مذلة ومذلة، أم ألتمس الحكمة متدثراً بمسوحها مراوغاً بين الكلمة والرصاصة .. الحبر والدم .. الواقع والواجب؟! سلاح الكلمة لو أن الكلمة لم تكن سلاحاً ومسئولية وشرفاً وموقفاً وانتماء لما توقفنا عند أسئلة تتصل باستخدامها وبالقيم التي يستند إليها ذلك الاستخدام والصفات والمواصفات التي لكلمة من ذاك النوع ونحن ندلق الكلام في الآذان وعلى الورق، ولكان القول نوعاً من الهذر أو الهزل لا يكلف صاحبه عبء الوقوف أمام سؤال الضمير وسؤال الناس وحقائق الحياة والوقائع، ولكن الكلمة سلاح ومسئولية وموقف وشرف وانتماء يُسأل صاحبها عنها وعن أدائها حياً ويلاحق بالسؤال ميتاً. في هذه الأيام الفلسطينية ، أيام الملاحقة النازية الجديدة لشعب أعزل تقام له معسكرات الاعتقال على غرار أوشفيتز في رام الله والمخيمات الفلسطينية المنتشرة في فلسطين، التي أصبحت مع المدن والقرى، معتقلات صهيونية شاسعة تفوق المعسكرات النازية في وحشية ما يجري فيها تحت سمع «العالم الحر» وبصره الحسير وقوته الظالمة العمياء؛ في هذه الأيام لا بد أن نفكر فيما ينقذ الإنسان من الوحش الصهيوني وما ينقذ القيم والحضارة من إرهاب رعاة البقر والعنصريين الصهاينة، وما يوقف قوة إرهابية همجية تنطلق من مركز الشر العالمي: الصهيونية مدعمة ومباركة من أكبر قوة شريرة في العالم: الولايات المتحدة الأمريكية، ما يوقفها عند حدود احترام القوانين والأعراف الدولية وحقوق البشر في أثناء الحرب وتحت الاحتلال، واحترام الاتفاقيات المرعية في المنظمات الدولية المعترف بشرعيتها، حتى لا نقول عند حدود احترام حرية شعب عانى الأمرين واحترام حياة أفراده وأطفاله وحقه في العيش بأمان واطمئنان وممارسة سيادته التامة فوق تراب وطنه التاريخي، واحترام مقومات هويته وحضارته وعقيدته ومقدساته، إذ يبدو أن تلك المطالب غدت في هذه الأيام المرة وفي الزمن المتوحش، زمن: شارون ـ بوش، نوعاً من الترف البشري لا تسمح به الصهيونية العنصرية وحليفها الأمريكي المتورم بسرطاني: العظمة والإرهاب. منطق الوقائع البشرية الذي كرسته التجارب يقول: إن القوة تردع القوة ولا يكفي أن يكون الحق معك لكي تكون قادراً على وضع حد لتعسف القوة وحماية حقك، وأنه لا بد للحق مهما يكن ناصعاً من قوة تحميه وتمليه وتنصره وترفعه فوق حدود التعسف وتمنعه من التعرض للانتهاك والمحو، ولا بد من توافر مقومات القوة: مادية ومعنوية، والتبصر بطرق استخدامها وتوقيت اللجوء إليها وبما تمليه الظروف والمعطيات والعوامل المعقدة التي تدخل في الحسابات الاستراتيجية المركبة والدقيقة التي يقتضيها استخدام القوة ولكن أحداً على مر التاريخ لم يقل بإلغاء خيار القوة والإبقاء على خيار وحيد هو خيار «السلام» عندما يتعرض لعدوان واحتلال أو لتهديد وقهر قوة من أي نوع، وإلغاء الخيارات في هذا الشأن من شئون الحياة أو تهميشها أمر بالغ الخطورة يفتح الباب واسعاً أمام الخلل وأنواع العلل في العلاقات الدولية والاجتماعية، لا سيما عندما يغيب التوازن الدولي وتضمر القيم الروحية والإنسانية وتصبح قوة ما مسيطرة على الشأن العالمي وترفع مصالحها ومصالح حلفائها فوق حياة الناس كافة ومصالحهم وحضارتهم وعقائدهم، كما هو الوضع الآن في عصر سيادة القوة الأمريكية العمياء التي تحركها عنصرية صهيونية نازية يضج تاريخها بالحقد على الآخرين والكراهية لهم.. نعم قد ينتصر الدم على السيف، وهو انتصار إرادة لنفسها ولحقها أولاً وتسلحها بتضحية وشهادة في الوقت ذاته، ولكن ذلك يكون بامتلاك السيف واستخدامه بإيمان وعدل وحكمة ووعي ومسئولية وضمير. تنويع الخيارات ونحن العرب منذ اختارت قمة فاس «الحل السلمي» اختياراً استراتيجياً وحلاً وحيداً لقضية فلسطين وألغت الخيارات الأخرى، حاصرتنا على نحو ما وأوصلتنا إلى حالتي: الحصار والعجز اللتين نعاني منهما اليوم، وفتحت علينا باب الفرقة والتنازل واقتناص الحلول المنفردة تفعيلاً «للسيادة القطرية» البهية، إلى إن وصلنا إلى إدمان الذل وتفسير الاستسلام وتسويغه وتسويقه هاهي قمة بيروت العربية 27 ـ 28 مارس 2002 بإعلانها العتيد، الذي تبنى المبادرة المعروفة الموصوفة، تعلن عن استعدادها لاعتبار «النزاع» ـ ولم تقل الصراع ـ العربي الصهيوني منتهياً، وللاعتراف بالعدو الصهيوني دولة في المنطقة تتمتع بالآمن والاستقرار، ولإقامة علاقات طبيعية معه ـ وتجنبت استخدام كلمة تطبيع لما أصبح للكلمة من رصيد في الشارع العربي ـ إذا انسحب الكيان الصهيوني من الأرض العربية المحتلة حتى حدود الرابع من يونيو 1967 واعترف بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية والقمة بهذا «الفتح» الذي رفضه العدو وتلقاه باجتياح رام الله وبقية مدن الضفة الغربية وقراها ومخيماتها، وغزة على الطريق، أتمت الخطى على الطريق التي بدأتها في قمة فاس، حيث أدى الاختيار الوحيد إلى طريق وحيدة هي طريق التنازل والاستسلام اللذين يقود إليهما الضعف والتمزق وفقدان القوة التي تحمي الحق وتجعل لأي موقف مصداقية. ومعنى اعتبار «النزاع» العربي الصهيوني منتهياً من دون حسم قضية الشعب الفلسطيني المشتت في العالم وضمان عودته إلى وطنه، معناه القبول بأوسلو والتنازل التام عن قضية فلسطين التي كان بسببها وفي مرحلة من مراحل النضال من أجلها احتلال الأراضي العربية عام 1967 . لقد أثبتت الأيام الفلسطينية الحالية التي يغرق العرب في مرارتها وأخطارها أن الاختيار الوحيد اختيار غير حكيم ولا سليم، وأن نتائج ذلك الاختيار هي الوقوف أمام الجدار والبندقية المعادية في الظهر، كما أثبتت أن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة الأمريكية وسيطاً وحيداً في حل قضية فلسطين هو خطأ جسيم زاد من خطورته أنه أصبح الاختيار الوحيد المطروح على أهل الحل السلمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية ونتائجها. إن الولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قررت إنهاء الصراع في المنطقة لمصلحة الكيان الصهيوني بكل الوسائل، ومنها بل وعلى رأسها القوة، لتنهي قضية فلسطين، وفوضت مجرم الحرب شارون بتنفيذ المرحلة الثانية مما تسميه حربها ضد الإرهاب، معتبرة كل مقاومة للاحتلال الصهيوني إرهاباً ومن يساند تلك المقاومة راعياً للإرهاب. وهي تتهم كل مقاوم بأنه إرهابي قاتل وتسمي منظمات ودولاً بعينها في المنطقة وتطلب منها أن تلاحق المقاومة بوصفها إرهاباً، وقد وجه الرئيس بوش في خطابه تهديداً مبطناً وصريحاً لكل من العراق وإيران وسوريا التي يريد منها أن تلاحق حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي. ويرتفع صوت مفتي ديار الإسلام الجديد العتيد جورج بوش بالقول : إن الذين يفجرون أنفسهم في عمليات ضد إسرائيل ليسوا شهداء بل قتلة، فتلك عمليات إرهابية وليست استشهادية والذين يقومون بها قتلة .. قتلة على حد قوله في خطاب مساء (الخميس)، 4 ابريل ، 2002 وجورج بوش الذي حمل عرفات مسئولية الأحداث الأخيرة كلها ومسئولية الاجتياح الصهيوني للضفة الغربية وما يقوم به شارون فيها، وسماه: مسئولاً عن الإرهاب وخائناً لشعبه ولقضية شعبه، لأنه لم يقم أو لم يستطع أن يقوم بملاحقة المقاومة والانتفاضة الفلسطينيتين والقضاء عليهما، أي لم يقم بالحرب الأهلية الفلسطينية التي طُلب منه صراحة أن يقوم بها بدعم كلي من الكيان الصهيوني والغرب. وإذا كان الأمر قد وصل إلى هذا الحد من التهديد والوعيد ، ومن تنفيذ التهديد والوعيد ، فالسؤال المطروح هو: ما العمل في ظل فقدان مقومات القوة للدفاع عن النفس والشعب والأرض في ظل الاختلال الحاصل في الموازين والقوة الوحيدة المهيمنة على قرار الأمم؟ هل شن حرب عربية أمر ممكن.. ومن هو القادر على ذلك والمستعد له ، وهي حرب مواجهة واضحة مع العدو الصهيوني وحليفه الأمريكي، ولا تستطيع أوروبا إلا أن تلعب في الهامش الذي تحدده لها الولايات المتحدة الأمريكية القابض الأول على قرار حلف شمال الأطلسي؟ وإذا كانت الحرب الساخنة لرد حمم النار ووقع الدمار على الشعب الفلسطيني المحاصر غير ممكنة عربياً لأسباب رسمية لا يدركها إلا أولو الأمر من العرب فإن الأمة على الصعيد الشعبي لن تعدم الوسائل ولن يتوقف إبداع أبنائها عند حدود في إيجاد السبل والأدوات التي من شأنها أن تخفف الضغط وتردع العدو ولو نسبياً ولكن حتى تلك الوسائل والأفعال الشعبية تحتاج إلى قرار رسمي عربي على الصعيد القطري قبل القومي ليتمكن فرد من أن يقتحم أرضاً محتلة وموقعاً محاصراً ، وأن يجترح فعلاً مؤثراً في العدو. المواقف الشعبية وهذا يستدعي أن يكون هناك توجه سياسي وإرادة سياسية عربية: قطرية أو قومية أو ضمن محور عربي ، يفتح باب الخيارات الأخرى انطلاقاً من حقيقة أن الصراع صراع وجود وليس نزاعاً على حدود وأن خيار التحرير مطروح ولو بعد عقود من الزمن، ولكن العمل من أجله وعلى طريقه يبدأ من مساندة الانتفاضة والمقاومة بسلاح ورغيف وساعد مقاوم ودم طهور يتدفق من شريان عربي الخ ... مشكلاً قاعدة العمل القومي العضوية في المسئولية والنضال والشراكة في السراء والضراء، بعيداً عن الحسابات القطرية الضيقة والنظرة البائسة التي كرستها الأنظمة لمعاني السيادة القطرية والمصلحة القطرية والاكتفاء القطري والحق في اختيار التبعية لهذا الاستعمار أو ذاك .. هذا العدو أو ذاك، ما دام يحمي حاكماً ونظاماً من شعبه ويبقي الشعب إرادة معطلة. ويبدو بوضوح أن توجه التحرير ليس قراراً عربياً حتى الآن، ونحن ندعو لأن يكون كذلك، وإلى أن تتجلى الإرادة الشعبية في الرؤية السياسية والإرادة السياسية نقول بالعمل شعبياً وبكل الوسائل والأدوات الممكنة على: 1ـ تفعيل المقاطعة العربية للعدو الصهيوني بكل مراحلها وتوجيه الجهد الثقافي والإعلامي والشعبي ليكون ذلك إرادة رسمية قطرية تنفيذاً لقرار عربي في هذا المجال. 2ـ متابعة العمل الدؤوب لطرد سفراء العدو الصهيوني وممثليه وملحقياته من البلدان العربية التي تعترف به أو تقيم معه علاقات من أي نوع، وعدم الاكتفاء بتضييق دائرة الاتصال معه وتحديدها في قنوات دبلوماسية . 3ـ مقاطعة البضائع الأمريكية والضغط من أجل سحب الأرصدة والاستثمارات العربية: الرسمية وغير الرسمية من الولايات المتحدة الأمريكية وتقديم حقائق أن ذلك البلد صادر ويصادر دائماً الأموال الرسمية وغير الرسمية المودعة في مصارفه في أي وقت يشاء من دون رادع ولأسباب سياسية. والدعوة إلى عودة رؤوس الأموال العربية والخبرات العربية إلى وطنها مع إيجاد المؤسسات والقوانين وشروط الحياة والعمل وظروف الأمن والاطمئنان لكل صاحب رأس مال أو كفاءة لكي يعمل ويستثمر في وطنه إذا رغب في ذلك. 4ـ العمل على إغلاق القواعد الأمريكية والبريطانية الموجودة في بلدان عربية على أرضية تمتين الثقة بين الحكام والأنظمة العربية وتعزيز الدفاع العربي المشترك والسوق العربية المشتركة. 5ـ التلويح باستخدام سلاح النفط أو تفعيل استخدامه سياسياً لتحقيق أهداف وحماية مصالح قومية عليا. 6ـ الاستمرار في دعم الانتفاضة والمقاومة ضد العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة وفي كل المواقع الممكنة انطلاقاً من تأكيد اختيار التحرير، وإبقاء القضية حية على الأرض وفي الوجدان، وأهداف الشهداء مرفوعة عالياً. إن الشعب هو مخزن الوجدان والقوة والتضحية ورصيد المقاومة والتحرير والبذل وهو مصدر السلطات ومصدر القرارات الحاسمة فيما يتعلق بمصير الأوطان وكرامة الأمم وهوياتها واختياراتها الكبرى وقضاياها المصيرية ، فلنجعل شعبنا العربي حاضراً بنضال واع ومسئول ومستمر في كل الميادين وعلى رأسها ميدان الكلمة التي ينبغي أن تهدي وتنير الطرق وتثبت القيم والحقوق وتنصر الإرادات الخيرة وتدافع عن الأمة بوجه الإرهاب والعنصرية والعدوان والنازية الجديدة، التي يمثلها ويجسدها في هذه الأيام الفلسطينية المرة: الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، التي تشترك معه في كل جرائمه وإرهابه ودمويته. فلنعمل أيها العرب على أن يكون الاختيار الشعبي والرسمي لأمتنا هو تحرير فلسطين كل فلسطين وضرب مصالح الاستعمار في وطن العرب، والنصر لنا إذا كنا مع أنفسنا ومع أمتنا وأهدافنا نهتدي بعقيدتنا وحضارتنا اللتين يريد أن يشوههما الإرهاب الأمريكي الصهيوني أمام العالم كله. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب