وكأنهم يريدون وبإصرار للمهمة الاجرامية ان تتم وتأتي ثمارها، كأنهم يتفقون تماماً على أن تصفية أكبر قدر من الفلسطينيين هو الحل السحري، وكأنهم أيضاً يتفقون على ارضاء شارون الصهيوني من بنود السلام الذي سيأتي بعد الدم. هكذا يحلون لأنفسهم قتل الشعب الاعزل، وهكذا يقررون ان قتل الناس في بيوتهم وأوطانهم ليس ارهاباً، بل الارهاب من يعارض ذلك. طالبت امريكا بوقف عمليات شارون في الوقت الذي تقول فيه ايضاً انه يتوجب انهاء المهمة، وها هو السفاح يقترب من انهائها امام الصمت، كل الصمت. كيف يراد لنا ان نقتنع بأن ما يحدث سيكون بعد أيام خلف ظهورنا وان القادم هو الاهدأ وهو الأجمل، وأنه سيكون سلاماً لا يشترط السلاح.. هكذا يريدوننا ان نقتنع بأن الامل بعد الدم قادم، وان علينا الصبر وتحمل كل ما في هذا المشهد الأليم لأننا سنرتاح في النهاية. عقولهم الباطنة تفضح مستورهم في الكلام وهذا هو ما ينكشف اليوم.. باول قادم إلى الشرق الأوسط ليقدم الحل ويهدي باقة ورد لكل الذين سيمدون ايديهم بالسلام بعد المذبحة.. وكأن العملية، ما هي إلا عملية جراحية بسيطة تطلب معها كل هذا التدفق الغزير من الدماء.. وان باقة الورد القادمة مع باول هي التي ستنسينا مشاهد الايام الماضية. الكارثة ان امريكا تهندس العملية كما هندستها في افغانستان وتنسى الفرق بين هنا وهناك ـ تنسى فكرة النضال هنا وهناك، وهذا ما سيتكشف بعد المحاولة التي يأتي بها باول إلى المنطقة. في افغانستان لعبت امريكا على جوع الشعب المفتت وعلى اطماع الجيران، ولعبت على آمال المواطن الافغاني، وهي آمال بسيطة تتعلق بسد الرمق وتوفير منزل اسمنتي بدلاً من الطيني، لعبت على اسواق البيبسي كولا والبسكويت والسجائر الحمراء.. وساعدها التفتت في أوصال الاسرة الواحدة لفعل شيء ما بذلك الاغراء. في فلسطين يختلف الوضع تماماً لأن القضية واحدة بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة يرثها الصغير والكبير، فكل فلسطيني هو ياسر عرفات وعرفات هو كل فلسطيني، وهذا الامر ليس كلاشيه سياسياً، بل هو فكر وفلسفة نضال تبلور وترسخ ومد جذوره الى عروق الزيتون في الارض الطاهرة، ولهذا لا يوجد اغراء للمساومات. يكشف المحللون ذلك اليوم بقوة ويتندرون على مستوى الفهم الذي تتمتع به الادارة الامريكية لهذه القضية الحساسة التي لا تقبل القسمة أبداً. باول سيقدم باقة الورد الامريكية من أجل ان ينسى الفلسطينيون والعرب المشاهد الدامية طيلة الايام السابقة في الاراضي المحتلة. سيقدمها ونعتقد أنه سيعود بها أو يتركها على طاولة مفاوضات خالية من المفاوضين السوبر الذين ينتظرهم. حسبة أمريكا تحمل خطيئة كبرى ستعرف لاحقاً انها خسرت الكثير من اجلها وبدون وعي. لن يمر السيناريو الخبيث هنا لسبب وحيد فقط وهو انهم يفكرون في المصلحة قبل كل شيء ونحن لا ننسى من يموتون.