فاته الكثير من لم يشاهد الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل وهو يوجه رسالة من قلب الأزمة الى قلب الأمة.. رسالة قدم فيها تحليلاً وافياً يعجز الكثير من السياسيين والعسكريين، تقديمها للأحداث الجارية على الساحة في أسلوب لم تنقصه المرونة وقالبٍ مليء بالتشويق، يجعلك تتسمر أمام الشاشة تنصت إليه بكل جوارحك دون أن تصيبك طرفة ملل أو يتسلل الى نفسك أي نوع من السأم، وهكذا دائماً هو الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل يشدك الى الشاشة كما يشدك الى قراءة كتاباته في الصحف أو مؤلفاته. في حديثه المطول الذي لم نشعر فيه بالوقت قدم «الأستاذ» دروساً مجانية للساسة وأصحاب القرار عن الأحداث الحالية والأسباب التي دعت لأن يصل العرب الى ما هم فيه، عندما شرعوا في التنازل عن حقوقهم بكل بساطة، ولم يتوقفوا ابدا للمطالبة بأبسطها. تحدث «هيكل» عن الدروس والعبر التي يجب ان يستقيها العرب من أحداث سبتمبر، التي قدموا خلالها تنازلات ما كان ينبغي ان تقدم، عندما سلموا بالتهم التي وجهت اليهم بأنهم مرتكبو التفجيرات وراحوا يتصرفون كمتهمين مذنبين دون المطالبة بدليل واحد يثبت تورطهم فيها ويدينهم.. وسلموا تماماً بأنهم ارهابيون ومجرمون، وعليه راح الآخرون يتصرفون تجاههم وقبلوا هم بهذه الصفة التي لصقت بهم دون وجه حق. ففي حين يقبع العشرات من المواطنين العرب في سجون أمريكا وورود أسماء كثيرة جاء ذكرها ضمن الموجودين على قوائم المسافرين على متن الطائرات المنكوبة، تبين فيما بعد وجود كثير من تلك الاسماء خارج الولايات وما تعرض له الكثيرون خلال التحقيقات، الأمر الذي لا يحدث قطعاً مع أي مواطن أمريكي في معظم الدول العربية الذي ان ارتكب اي جنحة أو حتى مخالفة، فإنه لا يتم التحقيق معه إلا بحضور القنصل الذي يشرف على تفاصيل التحقيق ويتلقى في النهاية تقريراً عما خلصت اليه التحقيقات. بالطبع فإن ما ذهب اليه هيكل في طرحه التلفزيوني هو نفسه ما يدور في خلد ملايين العرب وكثيرا ما يتساءلون كيف سلمت حكومات الدول التي اتهمت امريكا عدداً من رعاياها بالتفجيرات بتلك التهم وراحت تمد يد العون لسلطات التحقيقات هناك هكذا وبشكل «عمياني» دون ان تتلقى اي دليل مادي يدعم تلك الاتهامات؟ ولماذا سلمنا جدلاً ان كل ما تقوله سلطات التحقيق الامريكية وما تردده وسائل الاعلام عندهم هو صحيح علينا ـ كعرب ـ وقبلناه دون أي اعتراض أو حتى أي مناقشة أو حق الوقوف على أدلة تديننا. تساؤلات طرحها الكاتب محمد حسنين هيكل ونحن نعاني معاناة اخرى ونواجه حرباً من نوع آخر، فزاد بذلك ونحن في هذا الظرف عمق جروحنا التي قدر لها ألا تلتئم وبيّن لنا أحوالاً كتب علينا ألا نعرف غيرها، وواقعاً ليس لنا سوى ان نعيشه ونتكيف مع أحداثه الأليمة.