السؤال الذي يطرحه اي عربي هو: هل الجيوش العربية قادرة ومؤهلة لأن تخوض حربا مع اسرائيل بعد ان اعلنت هذه الاخيرة صراحة بأنها ترفض المبادرة العربية التي طالبتها بأن تتنازل عن الاراضي المحتلة عام 67 في مقابل اقامة سلام شامل مع العرب؟ ان رفض اسرائيل للمبادرة معناه انها ترفض اقامة سلام مع العرب، ورفضها للمبادرة معناه انها تقول للعرب ان عليهم قبول شروطها وترتيباتها للسلام التي تحددها وتضعها هي .. فرفض اسرائيل للمبادرة له دوافعه التي تعرفها جيدا اسرائيل، فاسرائيل تعرف ان العرب متفرقون. وان الجيوش العربية لاتمتلك القدرة على الاستعداد للحرب والدخول فيها مع اسرائيل التي هي على استعداد تام وكامل وجاهزية لخوض حرب طويلة لسبب بسيط انها تمتلك جيشا مجهزا ومتفوقا على الجيوش العربية. واكثر من ذلك تمتلك اسرائيل الدعم والسند الدولي من الولايات المتحدة الامريكية، لان هذه الأخيرة (كما حصل في حروب 67 و 73) لن تترك اسرائيل تحارب وحدها العرب، بل تشارك معها وتقدم لها كل ماتحتاجه ولن تسمح اطلاقا بان يتفوق العرب عليها لان اسرائيل تمثل بالنسبة لها الشوكة التي قصمت ظهر العرب، فاسرائيل هي التي تدير المصالح الامريكية وهي عين امريكا في الشرق الاوسط، وبفضل اسرائيل استطاعت الولايات المتحدة الامريكية ان تحتوي العرب ومنعتهم من ان يحصلوا على اسلحة تفوق ما تمتلكه اسرائيل، فكيف اذن نخوض حربا مع مؤسسة عسكرية توسعية فرضت علينا بالقوة وتمتلك جيشا افضل من جيوشنا وتساندها القوة العظمى التي تهيمن على العالم بينما لانمتلك نحن العرب الجيش المؤهل لخوض الحرب ولا السند الدولي الذي يقف معنا ويؤازرنا في الاوقات الحالكة؟ هذا هو وضعنا بصراحة وكل عربي يعرف حجم العرب ووزنهم في هذه اللعبة، ولكن الوضع العربي المتردي يجب ألا يشعرنا بالاحباط، بل على العكس من ذلك فان تاريخنا السياسي والذي نستقي الدروس والعبر منه حافل بانجازات لا تزال خالدة في الذاكرة العربية، فقد حقق العرب انتصارات باهرة على قوى دولية تتجاوز في عددها وعدتها ماهو متوافر لدى اسرائيل، فهل ننسى الثورة الجزائرية التي لقنت الاحتلال الفرنسي درسا لن نساه، ولا تزال فرنسا الى اليوم تتحفظ في الحديث عن هذه الثورة، ففرنسا كانت قوة عظمى تحتل شعوبا واراضي واحتلت الجزائر 132 عاما، ولكن ارادة الشعب انتصرت على الباطل، انتصرت الارادة لان الشعب آمن ان التلاحم والوحدة لمواجهة العدو اقوى من دباباته وجيوشه وكان في الاخير ان ارغمت جبهة التحرير الوطنية الجزائرية الجنرال ديجول على التوقيع على اتفاقية الاستسلام واعطاء الحق لاصحابه .. صحيح ان الجزائريين تكبدوا خسائر فاقت المليوني شهيد وشهيدة ولكن الحرية كما يقال لا تقدر بثمن فالحرية تؤخذ ولا تعطى. واذا رجعنا الى تاريخ الحركات التحررية في العالم لانجد افضل من ذكر تجربة الفيتنام في جنوب شرق آسيا، فما عاناه الشعب الفيتنامي على ايدي الامريكيين من ظلم وبطش واحتلال زاد من ارادة هذاالشعب وواجه اكبر قوة عسكرية استعملت كل آلاتها الحربية لإسكات صوت شعب فقير وقليل العدد، ولكن الارادة انتصرت في الأخير، وخرج الامريكيون يجرون ذل الهزيمة حاملين على اكتافهم موتاهم وجرحاهم، ومازال عار الهزيمة وشما على جبينهم الى اليوم وغدا. فالشعب الفلسطيني لا يمكن ان يختلف عن مثل هذه الشعوب المقاومة والمكافحة. صحيح ان الوضع الدولي تغير واصبحت قوة امريكا قوة عظمى وحيدة تنفرد بالادارة الدولية ولم يعد هناك ذلك الحماس الجماهيري لدى شعوب العالم والذي يمكن له ان يقول للمعتدي: توقف .. كل ذلك لم يعد له وجود فاصبح هم الشعوب هو كيف تجد لقمة عيشها وكيف تحل مشكلاتها التي تتخبط فيها بسبب اللاتوازن الحاصل في العلاقات الاقتصادية الدولية، فثوابت الشعوب تغيرت وحل محلها متغيرات العولمة والتنمية اما مفاهيم الصمود والتصدي والثورة فانها تحولت الى شعارات بائدة مثلها مثل القومية والاشتراكية والاتحاد السوفييتي والحرب الباردة. هذا هو عالم اليوم .. عالم العولمة والتي معناها انه عليك ان ترضى بالوضع القائم واذا رفضت او عارضت علانية فانك سوف تتهم بالمساس بالأمن الدولي وبالاستقرار الدولي، وباختصار شديد سوف تتهم بممارسة الارهاب. للاسف هذا ما يحصل مع الشعب الفلسطيني، فلماذا ترفض الولايات المتحدة الامريكية الضغط على اسرائيل لايقاف حربها على الشعب الفلسطيني؟ الجواب ببساطة نقرأه في تصريح شارون الاخير حيث يقول بالحرف الواحد ان ياسر عرفات هو عدو للعالم الحر!! ويعني من كلامه ان ياسر عرفات ليس عدوا لاسرائيل فحسب بل هو عدو للعالم الجديد الذي يسمى بالعالم الحر، اي العالم الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية والذي كبلت فيه افواه الشعوب التي تعارض توجهاتها الدولية. فعرفات بالنسبة لاسرائيل والولايات المتحدة الامريكية يعارض التوجه الامريكي ويرفض التنازل عن ثوابته كالمقاومة واعادة الحق المسلوب، وبالتالي ما كان على الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل معها الا ان تلصق به تهمة المساس بأمن النظام وهي تهمة تعرف اختصارا بالارهاب!! هذه حقائق صرنا نعرفها ولا احد منا يقدر او يتجرأ ان يبوح بها خوفا من ان يتهم هو الآخر بذات التهم!! فبعد حوادث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة الامريكية تسابقت كل دول العالم من دون استثناء للتنديد بما وقع للولايات المتحدة الأمريكية وذلك خوفا من ان صمتها يمكن ان يفسر بأنه تواطؤ وتعاطف مع الارهاب وسوف تطالها عندئذ عصا الولايات المتحدة الامريكية . الرئيس الامريكي قالها صراحة: على دول العالم ان تختار اما ان تقف مع الولايات المتحدة الامريكية واما ضدها .. وسوف يقول نفس الكلام عن الشرق الاوسط: اما الوقوف ودعم اسرائيل التي تخوض برأيه حربا على الارهاب واما الوقوف ضدها، وفي هذه الحالة فان اي دولة معارضة سوف تتهم بانها تدعم سلطة ارهابية لانها تستعمل ما اسموه بالقنابل البشرية لقتل المدنيين!! فالحال العربي في وضع سييء للغاية ولا يمكننا اخفاء ذلك، وكل عربي اصبح يشعر باحباط ولا يقدر على التفكير فيما يصيب العرب،وكأننا مكبلو الايدي وغير قادرين على عمل اي شيء، مادام ان المسئولين العرب غير قادرين حتى على الالتقاء لانهم يعلمون اكثر منا ان الهروب الى الامام وغرس الرؤوس تحت الطاولات هو افضل حل لنا، فما هو الحل اذا؟ الحل برأينا هو ان على العرب دعم الانتفاضة بكل الوسائل الممكنة، فبالأمس قدمت مصر وتونس والمغرب دعما للثورة الجزائرية ولم يطلب الشعب الجزائري الجيوش العربية بل كل ماطلبه السند والدعم، فهل يقدر العرب على دعم الانتفاضة؟ انهم قادرون، وهذا ماطالبت به القمة العربية الاخيرة وطالب به الأمين العام للجامعة العربية وهذا اضعف الايمان!! الانتفاضة وحدها القادرة على تلقين الجيش الاسرائيلي دروسا في البطولة، وقد اثبت الشعب الفلسطيني انه قادر على المواجهة والصمود خاصة انه اليوم في وضع افضل من الامس، فاليوم هو يقاتل من داخل اراضيه المحتلة بينما كان بالامس يقاتل من اراض عربية اخرى فحرب العصابات كما تسمى في الادبيات العسكرية هي افضل وسيلة، وكلما تضاعف عدد القتلى من الاسرائيليين كلما تآكلت بنية الجيش الاسرائيلي، وكلما زاد الشعب الفلسطيني صمودا ومقاومة كلما تهلهلت الحكومة الاسرائيلية. ونعلم ان الحكومة الاسرائيلية غير متجانسة فأي حادث مفاجيء يمكن ان ينسفها، هذا ماحصل مع ايهود باراك وقبله نتانياهو. ان اسرائيل لا تقدر على الاستمرار والايام سوف تثبت ان الحق لا يسترد الا بالقوة، وقديما قال المفكر الاستراتيجي كلاوزفيس: ان الحرب وسيلة من وسائل السياسة .. فهل نأخذ بهذه المقولة؟ ـ كاتب جزائري