اي عقل يمكن ان يتفهم هذا الموقف الامريكي العجيب القائم على مقولة: نتفهم ماتقوم به اسرائيل .. وبأن ياسر عرفات هو المسئول عن تهدئة الاوضاع القائمة! اي منطق يمكن ان يبرر لواشنطن خروجها عن اجماع عالمي يدين الوحشية الاسرائيلية ويطالب اسرائيل بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة؟لا اجد تفسيرا لما هي عليه سياسة واشنطن من مواقف تجاه مايحدث في فلسطين سوى ان احداث 11 سبتمبر الماضي قد احدثت ايضا ارتجاجا في عقول صانعي القرار الامريكي، تماما مثلما تترك الهزات الارضية ارتجاجات في الابنية التي لم تتهاو ساعة وقوع الهزات. فواشنطن انقلبت الآن من راعي «عملية سلام» الى راعي عمليات حرب وعدوان اسرائيلي على الشعب الفلسطيني. وليس الانقلاب في الدور الامريكي فحسب، بل هو أيضاً في ابسط المفاهيم والمصطلحات .. فالضحية الآن هو مجرم بينما المعتدي هو ضحية!، والشعب الخاضع للاحتلال وللاعتداء هو المسئول عن التصعيد الأمني بينما الجيش القائم بالاحتلال مبرر له استخدام الاساليب كافة لقمع ارادة الشعب الرافض لاستمرار الاحتلال! والطرف الفلسطيني، الذي وقع على كل الاتفاقيات التي سعت لها واشنطن بالسر والعلن منذ اوسلو الى واي ريفر، هو الطرف المعطل لجهود السلام الامريكية، بينما شارون الذي كان ضد توقيع هذه الاتفاقيات كلها بل ووعد بتمزيقها اذا وصل للحكم، هوالآن حمامة السلام الامريكي!! لاشك ان شارون يستفيد الى اقصى الحدود من ظروف ونتائج احداث 11 سبتمبر، فهو مازال يكرر للامريكيين مقارنته المغلوطة لحربه ضد الفلسطينيين بالحرب الامريكية على الارهاب في افغانستان، وبأن السلطة الفلسطينية هي ـ بزعمه ـ كحركة طالبان لانها تؤوي وتدعم جماعات الارهاب الفلسطيني .. وتستمد هذه المقارنة الشارونية زخما وقوة بالنسبة للرأي العام الامريكي كلما حدثت عمليات فلسطينية ضد المدنيين في اسرائيل. فاذا كان ذلك متوقعا من شارون لتبرير حربه العدوانية على الفلسطينيين، والتي بدأها منذ لحظة وصوله للحكم وقبل 11 سبتمبر، فان المعضلة الآن هي في كيفية فهم مواقف الادارة الامريكية التي تنظر لتطورات الاوضاع في فلسطين من ضيق افق حربها ضد الارهاب وليس من منظار شامل لتاريخ الصراع العربي/ الصهيوني او من مفهوم حق الشعب الفلسطيني بانهاء الاحتلال على ارضه وبناء دولته الوطنية المستقلة. لقد اعطت القمة العربية الاخيرة في بيروت، من خلال موافقتها بالاجماع على مبادرة ولي العهد السعودي، ارضية سياسية ممتازة لاي تحرك امريكي ممكن باتجاه تحقيق تسوية سياسية للصراع العربي/ الاسرائيلي، لكن واشنطن اختارت عوضا عن ذلك التحرك في الاتجاه المعاكس، اي باتجاه دعم مواقف واساليب حكومة شارون العدوانية. فردع اسرائيل ووقف عدوانها يتطلبان احد احتمالين: اما ضغط سياسي فاعل او ضغط عسكري مؤثر، والجهة العالمية الوحيدة القادرة على الضغط السياسي الفاعل على اسرائيل هي الولايات المتحدة، وحينما تمتنع واشنطن عن القيام بهذا الدور (بالابتعاد عن المشكلة او بتبني الموقف الاسرائيلي) فهي انما تدعو ـ بشكل غير مباشر ـ الى الاعتماد فقط على الضغط العسكري المؤثر على اسرائيل، والى دفع الفلسطينيين جميعا نحو خيار المقاومة المسلحة ضد اسرائيل.لقد نجحت حتى الآن السياسة الامريكية في الشرق الاوسط في تحويل اصدقاء امريكا الى خصوم لها، كما نجحت هذه السياسة في تحويل الضالين الى ابطال، وفي جعل الشارع العربي يتأجج احتقانا ضد اسرائيل وامريكا معا، مما يحمل المخاطر العديدة على المصالح الامريكية وعلى العلاقات العربية/ الامريكية، الحالية والمستقبلية.واذا كانت واشنطن تتحدث للشعب الفلسطيني وللعرب عن «الجزرة الموعودة» اي (الدولة الفلسطينية) في حال وقف الانتفاضة الفلسطينية، فان العرب والفلسطينيين يتساءلون بدورهم: مادامت واشنطن قد عجزت عن الضغط على شارون لكي يضمن سفر عرفات الى القمة العربية وعودته منها، فكيف لها ان تضمن رحلة تسوية عادلة لشعب، ووساطتها لم تثمر حتى برحلة سفر آمنة لشخص؟!ربما تكون فلسطين الآن بحال شبيهة لما كانت عليه ظروف العرب والعالم عام 1982 اذ نجح شارون آنذاك في غزو اول عاصمة عربية (بيروت)، وكانت المنطقة العربية تعاني عجزا وانقساما مازالت تعيشه وتتوارثه حتى الآن. وكان العالم يتابع هذا العدوان دون تدخل دولي فاعل لوقفه . الا انه رغم ظروف وقسوة العدوان الاسرائيلي على بيروت، فإن ذلك كان بداية لاشتعال حركة مقاومة شاملة للاحتلال الاسرائيلي، انتصرت هي في النهاية وانهزم امامها جيش الاحتلال. فلسطين الآن لا تعيش هذه الظروف وحسب، وانما هي في ذروة اشتعال حركة مقاومتها للاحتلال .. ونصرها قريب باذن الله. ـ مدير مركز «الحوار العربي» في واشنطن