قد يكون هذا وقتا للحزن والغضب ولكنه لا ينبغي أن يكون وقتا للهلع. فما أحوجنا في هذه الساعة الى الوعي بطبيعة الصراع الذي نخوضه، والى التصرف كما يتصرف الرجال في وقت الشدائد، والى التوقف عن تصوير الأمر وكأنه جنازة للأمة وشهادة بوفاتها. فالأمة تكتب على أرض فلسطين بالدم الغالي صفحات سوف ندرك قيمتها جيدا حينما نجتاز هذه المحنة، ونخرج منها ونحن أقوى على مواجهة المستقبل بكل تحدياته. ماينبغي ان نقف عنده هو أن صمود شعبنا العربي الفلسطيني هو شهادة ميلاد الدولة الفلسطينية مهما بلغ حجم التضحيات، وأن مانشهده في الشارع العربي هو المخاض الأليم لنظام عربي جديد هو الآن محل الصراع بيننا وبين الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها اسرائيل اللتين تريدان فرض السيطرة الكاملة على المنطقة ووضع خريطتها الجديدة للمنطقة موضع التطبيق. أتابع مايجري على أرض فلسطين، وأتذكر الجزائر الشقيق وملحمتها التي قدمت فيها أكثر من مليون شهيد حتى نالت استقلالها، وأتذكر ماجرى في عام 56 في العدوان الهمجي على مصر الذي شاركت فيه بريطانيا التي كانت عظمى وفرنسا التي كانت امبراطورية واسرائيل. وأتذكر كيف عاشت مدينة بورسعيد تحت القصف المتواصل لسبعة أيام من البحر والجو والأرض، وكيف اشعل الصمود المذهل المنطقة العربية باللهب ودفع العالم كله الى مواجهة العدوان. وكيف تحملت مصر العبء كاملا، وكيف دفعت مدينة بورسعيد وحدها مايقرب من عشرة آلاف شهيد، وكيف امتلأت أرض الاستاد الرياضي بجثث الشهداء بعد ان تعثر دفنهم في المقابر المشهد الفلسطيني نفسه الآن.. ثم كيف كان ذلك كله هو ثمن اعلام الاستقلال التي ارتفعت على الأرض العربية من المحيط الى الخليج، وكيف كانت النهاية سقوطا نهائيا لعصر الاستعمار القديم وانهيارا تاما لامبراطوريتين كانتا تحكمان العالم، وبداية جديدة لعصر آخر تسيطر فيه الأمة على مقدراتها وتتحكم في ثرواتها وتحرر ارادتها. طبعا.. كان العصر غير العصر. كانت هناك حرب باردة، وقوتان بازغتان هما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وكانت هناك حركات استقلال وطني تجتاح العالم، وكانت هناك موازين قوى تتغير، وكان هناك جمال عبدالناصر، ولكن يبقى العامل الأساسي في كل ذلك.. روح المقاومة والاستشهاد لدى الأمة، وارادة قادرة على تحدي الصعب وكسر الهزيمة، وانتزاع النصر رغم الخلل الفادح في موازين القوى. هل نستطيع تكرار التجربة، هل تكون فلسطين وصمودها العظيم في وجه العدوان الأمريكي الاسرائيلي هي طريقنا لاستعادة الارادة الغائبة وايقاف مسلسل التنازلات والتراجع والهزائم المتواصلة؟ أم أن الهلع سوف يفقد النظام العربي المهزوم ماتبقى له من قدرة فيستسلم للمخطط الأمريكي استسلاما كاملا؟ وهل تستطيع الأمة بمثقفيها ومفكريها وقياداتها الفكرية والسياسية أن تكون على مستوى التضحيات التي تقدمها الطليعة المقاتلة على أرض فلسطين، وان تمسك باللحظة النبيلة في تاريخها وان ترفض مناخ الهلع والاستسلام الذي يراد فرضه علينا، وان نلتف جميعا حول راية واحدة.. هي راية المقاومة والاستشهاد والتي انتصرت في لبنان، وستنتصر رغم كل المذابح والهمجية الاسرائيلية الأمريكية على أرض فلسطين. نعم.. قد يكون هذا وقتا للحزن والغضب، ولكنه ليس وقتا للهلع والاستسلام، وليس الحزن لأن مواكب الشهداء تتزايد، ولا لأن التضحيات أصبحت فوق الاحتمال، فهذا صحيح ولكنه القدر الفلسطيني والعربي.. وانما الحزن اننا مازلنا حتى الآن نبدد الطاقات ونهدر الامكانيات ولا تعرف انظمتنا كيف تتعامل مع اللحظة، ولا كيف تواجه معركة المصير. اننا امام معركة شرسة، تخوضها اسرائيل وأمريكا بتوحد كامل في كل شيء. وليست فلسطين سوى بداية هذه الهجمة التي تريد واشنطن من خلالها تصفية أي أثر لروح المقاومة العربية، وفرض مخططاتها القديمة على المنطقة وضمان السيطرة الكاملة على كل مقدراتها. انها الحرب الصليبية الجديدة التي وعدنا بها الرئيس الأمريكي في زلة اللسان الشهيرة التي يثبت الآن انها لم تكن الا الحقيقة الكاملة للنوايا الأمريكية.. وهاهي الطائرات والصواريخ الأمريكية تقصف بها اسرائيل الفلسطينيين برعاية واشنطن ودعمها الكامل، ومع حملة الترويع التي تقودها ضد الدول العربية ومخططات الشر التي تعدها لهم. انها الحرب الصليبية تبدأ على أرض فلسطين، بينما تعلن واشنطن أن سوريا ولبنان دولتان ترعيان الارهاب!! وان ليبيا دورها قادم، أما العراق فتدميرها الكامل مسألة وقت كما تحرص واشنطن على تذكيرنا كل يوم. ولكن ذلك كله لا يدفعنا للاستسلام بل الى المقاومة، ولا يستثير فينا مشاعر الهلع، وانما الحزن والغضب و.. التساؤل! نعم.. من حقنا الآن ان نتساءل كيف انفقت الدول العربية 600 مليار دولار في العشر سنوات الاخيرة دون ان يتحقق لنا ولا ذرة واحدة من الأمن القومي؟! واذا لم تكن هذه الأسلحة للرد على العدوان ووقف المذابح التي تجري لشعبنا.. فلماذا حصلنا عليها؟ وهل كان الهدف هو تشغيل المصانع الأمريكية أم تأمين أوطاننا؟! ومن حقنا الآن ان نتساءل: هل أعطينا المقاومة الفلسطينية ماتحتاجه من دعم مادي ومالي وهل وفرنا لها كل الامكانيات التي تمكنها من الصمود في المعركة مع الاحتلال النازي، وكيف ستواجه بعض الأنظمة شعوبها وهي تصادر السلاح الذي كان في طريقه للمقاومة أو تمنع المواطنين من التعبير عن مشاعرها في هذه اللحظات الحاسمة؟ ومن حقنا ان نتساءل عن موقف الذين خدعونا بأحاديث سلام زائف، والذين ضللونا بأن حرب أكتوبر هي اخر الحروب، بينما الصهاينة النازيون يواصلون حربهم لابادة شعبنا العربي في فلسطين، وبينما واشنطن تبشرنا!! بأن عدوانها مستمر وبأن كشف الاعداء المستهدفين لم يعد يضم العراق وحدها، فهناك سوريا ولبنان وليبيا، والبقية في الطريق الا من اتعظ وفهم الدرس الأمريكي! ومن حقنا ان نتساءل: كيف تبقى الأموال العربية في بنوك أمريكا وأوروبا وكيف تصبح رهينة في أيدي من يعلنون الحرب علينا بدلا من أن تساهم في بناء اقتصاد عربي يصمد للتحديات ويلبي مطالب التنمية والمقاومة معا؟ وهل من المعقول ان تبقى هذه الأموال التي يصل أقل تقدير لها الى 800 مليار دولار ترتفع في تقديرات أخرى الى أكثر من 1200 مليار دولار.. هل من المعقول أن تبقى في خدمة الاقتصاد الأمريكي والأوروبي بينما بعض الدول العربية تتسول المعونات الأجنبية لانقاذها من المجاعة، وبينما أمريكا تستخدم المعونات العسكرية والاقتصادية التي تقدمها لدولة عربية محورية مثل مصر للضغط عليها ومحاولة التأثير في سياساتها؟ وهل كثير على العرب أن يحرروا مصر من هذا العبء وأن يقدموا لها ولسوريا ولفلسطين مايؤكد قدراتها على مقاومة العدوان وتعديل موازين القوى مع العدو الصهيوني؟ ومن حقنا ان نتساءل لماذا تكون (الهرولة) من الأنظمة العربية عندما تسير في طريق التنازلات، ولماذا التلكؤ عند حديث دعم المقاومة؟ ولماذا التشدد في المواقف عندما يتعلق الأمر بنزاعاتنا الداخلية وصراعاتنا العربية ـ العربية، ولماذا التساهل عند الحديث عن سلام الشجعان الموهوم؟ بل ومن حقنا الآن ان نتساءل: لماذا سارعنا الى الالتفاف حول مبادرة السلام التي أصبحت عربية في قمة بيروت، دون ان نقدم الوجه الآخر لها ونعلن عن موقفنا في حالة رفضها من جانب اسرائيل، أو في حالة اقدام شارون على سحق المبادرة باقدامه وبقنابل الطائرات والدبابات التي تجتاح أرض فلسطين؟ لقد طالبنا هنا بأن تبحث القمة مع مبادرة السلام السعودية المبادرة الأخرى التي تمثلت في حديث ولي عهد السعودية الأمير عبدالله امام قمة دول الخليج الأخيرة في مسقط حيث تساءل عن مصير اتفاقية الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقصادي العربي ولو فعلت قمة بيروت ذلك لما كان النظام العربي كله يواجه هذه الأزمة وهو لا يعرف كيف يرد على العدوان الهمجي الاسرائيلي الأمريكي. اننا في هذه اللحظات المصيرية ووسط مشاعر الحزن والغضب، نرفض ان نستسلم للهلع أو نخضع للابتزاز، وفي الوقت نفسه نرفض ان تنساق الأمة وراء المزايدات. اننا لا نطالب أحدا بما لا يستطيع، ولا نريد الاندفاع لحرب لم يستعد لها أحد وان كان من حقنا ان نسأل الجميع: لماذا لم يستعدوا؟! اننا نطلب التحرك في حدود الامكانيات العربية المتاحة، وهي ليست قليلة ولا عديمة التأثير كما يحاول البعض أن يوهمنا ضمن مخطط دفعنا لليأس واجبارنا على الاستسلام. وان مايعيد الاعتبار الى النظام العربي ويمنحه القدرة على مواجهة المستقبل هو موقف يتلافى أخطاء الماضي ويلتقي مع تطلعات الأمة ويتواكب مع تضحياتها الجسام وصمودها العظيم. إن قمة عربية استثنائية أو قمة مصغرة تضم مصر والسعودية وسوريا مطالبة بموقف يضع الأمور واضحة امام الأمة العربية أولا وأمام العالم بعد ذلك. رؤية ترتكز على أسس ثابتة تؤكد فيها على: إن الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل المسئولية كاملة عما حدث ويحدث وهي بموقفها المنحاز الى جانب اسرائيل تعرض مصالحها في المنطقة لكل الاخطار. إن العرب يرفضون الرؤية الأمريكية التي تعتبر الاحتلال الاسرائيلي للأرض العربية دفاعا عن النفس وحرب الابادة ضد الشعب الفلسطيني نضالا من أجل الديمقراطية، بينما تعتبر الحق المشروع في مقاومة الاحتلال هو الارهاب. ان ذلك الموقف الأمريكي يجسد حملة صليبية جديدة تقود العالم الى مواجهة سوف يدفع الجميع ثمنها الباهظ. إن الأمة العربية ترفض حملة الابتزاز والترويع التي تحاول خلط الأمور وتتهم الدين الاسلامي باشاعة الارهاب وتحمل العرب مسئولية مازرعته أمريكا بنفسها حين فرضت الجهاد ضد السوفييت في أفغانستان وحولتها الى معسكر تدريب تشرف عليه مخابراتها المركزية لاعداد الكوادر التي تم ارسالها الى البلاد العربية بعد انتهاء مهمتها ضد السوفييت والتي ظلت تحت رعاية امريكا حتى انقلبت عليها. إن العرب بعد أن قدموا كل التنازلات الممكنة من أجل الحصول على الحد الأدنى من حقوقهم المغتصبة يؤكدون ان خيارهم الوحيد هو المقاومة ضد الاحتلال والعدوان من أجل السلام العادل، ويضعون كل الامكانيات العربية في خدمة هذا الهدف، ويتعهدون بدعم المقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني بالمال والسلاح حتى تحرير الأرض واعلان الاستقلال ويعلنون المقاطعة التامة للكيان الصهيوني، وانهاء أي علاقات معه حتى يرضخ لشروط السلام العادل. ان العرب وهم يراجعون حصاد السنوات المريرة التي انفرط فيها عقدهم بعد حرب أكتوبر واصبح فيها أمنهم القومي مكشوفا كما لم يكن من قبل يعلنون تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، ويشكلون قيادة موحدة تتولى تأمين الوطن العربي ضد أي عدوان خارجي، وتقوم بتصفية أي وجود عسكري أجنبي على الأرض العربية. إن عصرا جديدا تنفتح أبواب المنطقة امامه. وتريد الولايات المتحدة وهي تبني امبراطوريتها المتحكمة في مصير العالم ان تعيد تشكيل المنطقة وفقا لرؤيتها ولمصلحتها ومصلحة اسرائيل وعلى حساب العرب ومن خلال حملة صليبية جديدة يبدأها بوش في فلسطين وبعدها طابور طويل من الأهداف العربية التي مازالت ترفض الرضوخ للرؤية الأمريكية. لكن هذا ليس قدرا محتوما والرؤية الأمريكية تحمل في طياتها بذور هزيمتها حينما تتخلى عن مسئوليتها الاخلاقية وتتحالف مع النازية الصهيونية وتعلن العداء للعروبة والاسلام. هكذا علمنا التاريخ الذي كانت اخر حلقاته على أيدينا منذ مايقرب من نصف قرن حينما انهارت امبراطوريتا بريطانيا وفرنسا امام المقاومة العربية. وهكذا سيتكرر الدرس مادام البعض لا يريد ان يفهم لأن القوة أعمت بصيرته. فلنحزن قليلا، ولنغضب كثيرا، ثم فليرتفع نشيدنا مع عرس المقاومة على أرض فلسطين. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية