نبض بيروت لا يتقن السكون، وشغف حرارتها يمضي في ألقه على مدار الفصول. وها هي المدينة رغم صقيعها ومطرها المنهمر سحابة أيام خلت، تصرّ على ابتعاث الدفء لشوارعها وساحاتها، مجدّدة انتسابها الأصيل لعروبة خلناها ذوت في القاع إلى غير عودة، وراحت تشاطر أشباهها الحلم الفلسطيني المقبل باصرار نحو الحرية والاستقلال. وبيروت كانت القلب في صرخة لبنانية مدوّية من اقصى الوطن الى اقصاه انتصاراً لبارقة الأمل المشعّة هناك في رام الله وبيت لحم وجنين وسائر القرى والدساكر الفلسطينية، حيث شعب الأرض المحتلة بناسها وفدائييها وشجرها وحجرها يقاوم بأداء نادر أولئك المدججين بأعتى أسلحة الحقد والكراهية والغلواء. أعدّت بيروت مفكرتها الحافلة، ودوّنت على صفحاتها انتماء فئات المجتمع المدني اللبناني بمختلف مشاربها ومنابتها للأخوّة العربية والقضية الأولى فلسطين. إذ تحوّلت ثناياها الى ورشات متنوعة.. تغطية إعلامية لحظة بلحظة للحدث الفلسطيني بكل تفاصيله الميدانية وتداعياته الخارجية، وتنظيم اعتصامات وحملات التبرّع بالدم والمال، توّجتها مسيرات لشخصيات وهيئات سياسية، واجتماعية وتربوية ونقابات مهنية. ولم يكن المثقفون بمنأى عن الميدان، فقد احتشد اعلاميون وفنانون وأدباء وشعراء في تظاهرات معبّرة اضفت على الفعل التضامني أبعاداً ثقافية، ومؤكدة على الدور المؤثر للمبدعين في نصرة القضايا الوطنية وحقوق الانسان. أيام الحدث الفلسطيني ألقت بظلالها على اليوميات اللبنانية، وطغت على احاديث الناس في منازلهم واماكن عملهم، في المقاهي وسيارات الأجرة، وفي المدارس والجامعات. أشخاص لم أتوقع رؤيتهم يوماً مساهمين في حركة شعبهم وقضاياه، غادروا كراسيهم ونزلوا الى الشارع بحماسة لافتة. شبّان وفتيات من بيئات وأوساط مختلفة هجروا رفاهيتهم، واعتصموا في خيام بوسط العاصمة. وضعوا الكوفيات ورفعوا الرايات الداعية للمقاومة ورفض الاذلال والغطرسة اللذين تمارسهما اسرائيل برعاية ودعم سافرين من الادارة الامريكية. احساس عارم بالأمل يسم حركة الشارع اللبناني هذه الايام، وهو ما كنا نفتقده لوقت طويل مضى. احساس بنصر آت ارتسم في نظرات الذين ساروا واعتصموا وتبرّعوا بدمائهم وأموالهم دعماً لفلسطين وشعبها الأبيّ. ونبض بيروت، شهدنا مثله في العواصم والحواضر القريبة والبعيدة، الشقيقة والصديقة، إذ اشتعل الشارع كما لم يفعل من قبل، وفي أماكن لم تكن تحرّك ساكناً حيال ما سبق من احداث جسيمة مرّت بها امتنا. هكذا هي فلسطين، منها دائماً ينطلق الصوت، فيتردد صداه ليحرك الركود المقيم في العقول والأشياء، ومنها يأتي النذير أن هبّوا لمقاومة الشر والطغيان والعربدة، فتجيء البشرى من سواعد أبنائها الأبرار ليضيئوا لنا عتمة ليلنا الحالكة. وهكذا نفهم حركة الشارع العربي في بيروت وعمّان والقاهرة ودمشق والخليج وسائر الساحات التي انطلقت فيها الحناجر الهادرة من أجل حرية فلسطين. ومن بين بيروت والقدس صلات وصل لا حصر لها، والأنصال التي حلّت بالجسد الفلسطيني، أصابت بالحمى الجسد اللبناني فانتفض من في المدن والقرى وعلى الحدود. صرنا على قاب قوسين أو أدنى من فلسطين. هناك سنجد من لا يزال يتمسك بقضيته، القائد الذي استمسك بالعروة الوثقى لتسري الاراضي في دمه مسرى الروح في الجسد الآدمي. هذا صابر على المظلمة الكبرى، وفي عينيه الشائختين بلون الحكمة الرسولية رضا بأمر جلل. كأنما يرى ما لا نراه، ويبصر ما لا يستطيع محاصروه أن يبصروه. انه يرى الخارطة كلها، وقد أصبحت تراباً وبشراً وشجراً مكتظاً بالأخضر المصفى. Email:ismail -haidar@yahoo.com