يبدو أن الحكمة في هذا الزمن المادي الذي نحياه اليوم بشكل مجنون أصبحت قاصرة رغم ان المثل يقول خذوا الحكمة من أفواه المجانين، فما بالك اذا كان هذا المجنون هو زمن معاش بكل تفاصيله وحقائقه.. لقد انقلبت الموازين والرؤى فأصبحنا ننام ونصحو على مفاهيم مقلوبة، حيث الخطأ اصبح صوابا والصواب ضاع في خبر كان مع ما أفرزه النظام العالمي الجديد من قواعد مجنونة علينا الأخذ بها ورمي كل المفاهيم التي نعرفها ونؤمن بها في سلة المهملات.. ويبدو ان النظام العالمي الجديد الذي تتزعمه امريكا الآن يريد ان يستنسخ زمن جاليليو ليس في الفلك والعلوم بل في التفكير والتكفير، فقد كان جاليليو اول من صنع تلسكوبا فلكيا وحينما وجهه نحو القمر رأى حدودا فسرها بالظلال التي يسببها سقوط ضوء على سطح القمر المليء بالتعرجات التي تشبه تضاريس الارض، وبحث عن نجوم اخرى ومناطق جديدة وكتب ودون وأبدى ملاحظات مثيرة آنذاك ونشر في عام 1613 رسائل عن البقع الشمسية وعرض نفسه بذلك لتهمة الهرطقة وأراد الدفاع عن نفسه باقتباس نصوص من الكتاب المقدس الا ان السلطات الدينية أنذرته بالامتناع عن ذلك. وبعد ثلاث سنوات احيلت القضية الى محاكم التفتيش التي دعت الى عقد مجلس من علماء اللاهوت لتقديم الرأي حول الموضوعين التاليين: الأول ان الشمس مركز العالم وهي ساكنة، والثاني ان الارض ليست مركز العالم، ولا هي ساكنة بل تتحرك وتدور يوميا. وقد اعلن المجلس بالاجماع ان الرأي الاول خاطيء وسخيف ويعتبر خروجا عن الدين، وحكم على الرأي الثاني بأنه يستحق الانتقاد وهو خاطيء في العقيدة. وقد امر البابا دعوة جاليليو وتم تهديده. الا ان الرجل نشر في العام 1632 كتابا بعنوان محاورة بين النظامين العالميين الرئيسيين البطلمي والكوبرنيكي وكان الكتاب بمثابة التحدي للتحذير البابوي مما جعله من جديد عرضة للمثول امام محكمة التفتيش، وقد وصل جاليليو فعلا عام 1633 الى روما واعتقل وأصدرت المحكمة حكمها بأن يعلن التوبة ويتنكر للأفكار التي يؤمن بها، وأحضر أمام المحفل الكنسي، فركع على ركبتيه وراح يقرأ ما أجبر على قوله، لكنه ردد عقب خروجه من المحكمة قائلا: «ومع ذلك فهي تدور» يقصد الأرض. ويبدو ان الحالة التي مر بها جاليليو هي نفسها تتكرر اليوم أمام محاكم تفتيش النظام العالمي الجديد التي تطالب بالوقوف أمام ما يسمى بالارهاب متهمة كل من يدافع عن نفسه وعرضه وأرضه بأنه ارهابي.. ومع ان الأغلبية في أوروبا والوطن العربي تدرك أصل الحقيقة وتردد مثلما ردد جاليليو، وبأعلى صوتها ما أجبرت على قوله إلا انها تكرر بينها وبين نفسها «ومع ذلك فهو دفاع عن النفس». لقد رسم جورج دبليو بوش وجهاً آخر وارتداه كرئيس ليس لأكبر دولة في العالم، بل للنظام العالمي المقلوب الذي بدأ بوصوله لسدة الحكم، فما كاد يمضي 100 يوم في البيت الأبيض حتى أثار مشاعر استياء عالمية، فقد اتسمت تحركاته بالأنانية والتقريع وعدم الاهتمام بقلق الحلفاء وازدراء دور سلفه بيل كلينتون في جهود السلام بالشرق الأوسط، ففي 14 أسبوعا فقط على توليه الحكم أغضب الصين وتجاهل روسيا وأخزى كوريا وأقلق اليابان وأغضب العالم العربي واستفز الاتحاد الأوروبي وأغضب البيئيين وتعالى على المطالبين بعدالة عالمية. لقد أظهر رسم ساخر في مجلة «دير شبيجل» الألمانية بعد وصول بوش الى البيت الأبيض بثلاثة شهور فقط، أظهر الرسم بوش واقفا فوق الكرة الأرضية مرتدياً زي راعي البقر ويشهر مسدسين في يديه وتعليق صغير يقول «الشريف الصغير جورج بوش الابن ضد العالم»! مثل هذا الكاريكاتير دفع المحللين للقول آنذاك بأن مثل هذا الرسم لا يعكس وجهة نظر صنّاع السياسة في أوروبا وآسيا، ولكنه يعبر عن قلق واسع النطاق من ان تفكير بوش وادارته قد يرتد لعقلية الحرب الباردة فيرى العالم مكاناً عامراً بالمنافسة والأخطار أكثر منه بالأصدقاء والشركاء والفرص السانحة، وهذا ما حدث فعلاً حيث تسارعت الأحداث فقد رفض اقامة محكمة جنائية دولية مثلما رفض معاهدة حظر التجارب النووية واتخذ قراراً بخروج الولايات المتحدة من معاهدة كيوتو لمكافحة ارتفاع حرارة سطح الأرض وغيرها من القرارات التي تؤكد انقلاب الموازين وتدعونا من جديد رغم الصمت المطبق للمأساة التي تحدث في أراضينا الفلسطينية أن نكرر مقولة جاليليو: ومع ذلك فإنها تدور!