الحرب الهمجية التي تشنها اسرائيل على الشعب الفلسطيني تضع المنطقة كلها على حافة الانفجار.. والأمر المؤكد أن هذه الحرب تضع الأمة العربية بأسرها، - وليس الشعب الفلسطيني وحده أمام اختبار حاسم، يتوقف على نتيجته ليس مصير القضية الفلسطينية فحسب، وانما مصير النظام العربي كله لعقود مقبلة، ولابد من الاعتراف بأن الرد العربي على العدوان الصهيوني لا يرتقي حتى الآن الى مستوى التحدي التاريخي الذي تواجهه الأمة والخطر الداهم الذي يحدق بها، ونعني بصفة خاصة المواقف العربية الرسمية. وكان الرد الاسرائيلي العاجل على قمة بيروت ومبادرة السلام الصادرة عنها هو الاجتياح الشامل لمناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، واقتحام مقر الرئيس عرفات، واعلان شارون ان الدولة الصهيونية (في حالة حرب) واعلان وزير دفاعه بن أليعازر أن الحرب لن تتقيد بالحدود الجغرافية، في تهديد سافر للدول العربية المجاورة. وتشير التطورات المتلاحقة للأحداث الى أن زعماء الدولة الصهيونية يعنون تماما مايقولون فقبل ان يجف المداد الذي كتبت به قرارات القمة العربية كان يجري استدعاء عشرين ألفا من قوات الاحتياط لتنضم الى ثلاثين ألفا من قوات الجيش التي تشكل ثلاث فرق تنتشر اثنتان منها في الضفة الغربية، والثالثة في قطاع غزة ومنذ صبيحة اليوم التالي لقمة بيروت يتم اجتياح المدن والقرى الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى باعداد ضخمة من الدبابات والمدرعات واقتحام مقرات السلطة الفلسطينية وبيوت المواطنين، وتجريد العسكريين ورجال الشرطة والمدنيين الفلسطينيين من السلاح، واسرهم بالمئات بصورة مهينة للكرامة الانسانية، واغتيال العشرات منهم بدم بارد، فيما يمثل مذبحة متزايدة الاتساع كل يوم للشعب الفلسطينيين. صمود أسطوري إذا كان تدنيس شارون للحرم القدسي، تحت حراسة قوات سلفه باراك، قد فجر انتفاضة الأقصى في سبتبمر عام 2000 فإن وحشية القمع الاسرائيلي للانتفاضة منذ بدايتها، واجراءات الحصار والتجويع وتدمير المنازل وتجريف الاراضي قد أطلقت العمليات الاستشهادية الفلسطينية ثم جاءت عمليات اغتيال كوادر المنظمات الفلسطينية نشطاء الانتفاضة لتزيد انتشار العمليات الاستشهادية والنوعية ردا على الارهاب الاسرائيلي. وبعد سقوط باراك في انتخابات فبراير عام 2001، وتشكيل حكومة شارون في مايو من العام الماضي، وتعهد الأخير بتصفية الانتفاضة خلال مئة يوم، كما جعل من تقويض البنية الاساسية للسلطة الفلسطينية هدفا معلنا لحكومته، ورغم ان باراك لم يتورع عن ممارسة القمع الوحشي للانتفاضة باشكال عديدة الا ان شارون توسع بصورة أكبر في محاولات قمع الانتفاضة مستخدما طائرات (اف - 16) و(الأباتشي) في قصف الأهداف المدنية، فضلا عن استخدام الصواريخ الذكية في اغتيال قيادات الانتفاضة، وأبرزهم أبوعلي مصطفى زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: لكن خطط شارون المتتالية من (خطة المئة يوم) الى (حقل الأشواك) و(خطة جهنم) و(الجحيم المتدحرج) وغيرها فشلت في زعزعة الصمود الاسطوري للشعب الفلسطيني وتزايدت العمليات الاستشهادية والنوعية في الضفة والقطاع وداخل الخط الأخضر (أرض 1948). ثم كانت احداث 11 سبتمبر وما تلاها من اعلان الولايات المتحدة للحرب على الارهاب، وادراج المنظمات مثل (حماس) و(الجهاد) و(حزب الله) في قائمة المنظمات الارهابية من وجهة نظر الولايات المتحدة، بمثابة فرصة ذهبية لشارون لتصعيد ارهابه ضد الشعب الفلسطيني وانتفاضته الباسلة وسلطته الوطنية، في ظل دعم أمريكي ضمني حينا وسافر أحيانا، وعداء مكشوف من جانب الادارة الجمهورية للسلطة الفلسطينية ورئيسها، عبر عنه أركان هذه الادارة مرارا وتكرارا. ودمر الجيش الاسرائيلي مقر الرئيس عرفات في غزة وأغلب مقرات ومرافق السلطة ثم حددت حكومة شارون اقامة عرفات في رام الله منذ نحو ثلاثة أشهر، لتنتقل بعد ذلك الى تحديد اقامته في مقره بالمدينة، ثم لمحاصرة المقر، ثم لضرب المقر ذاته وحصر عرفات مع عدد من مساعديه في غرفتين من غرف المقر، مع التهديد ضمنا بقتل الزعيم الفلسطيني وسبق ذلك كله تصريحات لشارون يبدي فيها ندمه على انه لم يقتل عرفات اثناء حصار بيروت عام 1982، أو صراحة من خلال تصريحات لزعماء اسرائيليين متطرفين أو مقالات صحفية.. الخ، فضلا عما تكرر من الدعوات لابعاد عرفات عن الاراضي الفلسطينية أو احلال قيادة بديلة محله، وتداول الاسماء المرشحة للقيام بهذا الدور.. الخ. الا ان هذا الارهاب وهذه الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية الهائلة.. والحصار، وحرب التجويع ثم اجتياح المدن الفلسطينية لم تفلح حتى الآن في قمع الانتفاضة، ولا في زعزعة صمود الفلسطينيين الأسطوري، ولا في النيل من صلابة موقف عرفات وتلاحمه مع شعبه، الذي يستمر في تقديم قوافل الشهداء، وانزال ضربات موجعة للغاية باسرائيل ردا على الاجتياح واقتحام مقر عرفات، الذي تزداد زعامته رسوخا، والذي اعلنت مختلف المنظمات الفلسطينية ان اسرائيل ستدفع ثمنا باهظا للغاية اذا اقدمت على اغتياله.. بينما يعلن هو انه لم يعد ينتظر شيئا سوى الشهادة. تخاذل مشين الواقع ان الحرب الاسرائيلية على الفلسطينيين لم تكن لتصل الى ماوصلت اليه من وحشية تجاه الشعب الفلسطيني وانتفاضته الباسلة لولا التخاذل العربي المشين وخاصة الرسمي عن نصرة الانتفاضة، برغم ماهو واضح للأعمى من أن الانتفاضة تقف في خط الدفاع الأول عن الأمة في مواجهة الأطماع الصهيونية للتوسع والهيمنة على المنطقة كشريك أصغر للولايات المتحدة، وللسيطرة على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس تحت دعاوى توراتية خرافية. ومفهوم ان هناك اختلالا واضحا في موازين القوى لصالح اسرائيل.. ونعني بالذات موازين القوى العسكرية. ومفهوم أيضا ان هناك انحيازا أمريكيا سافرا للعدو الصهيوني، وأن هذا الانحياز يتزايد باستمرار، كما تتزايد الهيمنة الأمريكية على العالم، بما فيه منطقتنا، منذ نهاية الحرب الباردة، وبصورة أخص بعد أحداث 11 سبتمبر والحرب الأفغانية. لكن هذا كله لم يمنع المقاومة اللبنانية من الحاق الهزيمة بالاحتلال الاسرائيلي للجنوب، واجبار القوات الصهيونية على الانسحاب تحت وطأة ضربات المقاومة. وقبل وبعد 11 سبتمبر ضربت الانتفاضة الفلسطينية مثالا أسطوريا في الصمود، رغم هزال الدعم العربي لهما فالصندوقان اللذان تم انشاؤهما بميزانية قدرها ملياران من الدولارات، لم يتم سداد أكثر من ثلث ميزانيتهما الاجمالية حتى الآن، وماعدا ذلك كلام كثير بلا نهاية عن دعم الصمود الفلسطيني.. الا ان هذا (الكلام) نفسه لم يخل من اشارات ممجوجة عن (العنف والعنف المضاد) و(اليأس الذي يدفع الى الارهاب) وماشابه ذلك من اشارات تؤول في التحليل الاخير الى مساواة المقاومة المشروعة للاحتلال بارهاب الدولة العنصرية الذي تمارسه اسرائيل.. وفي غير بلد عربي تمت ملاحقة العناصر النشيطة في دعم الانتفاضة. ولم تشهد مكاتب وأنشطة المقاطعة العربية لاسرائيل ضعفا كالذي شهدته في الفترة الاخيرة، رغم تصاعد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني. واستمرت العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية ومكاتب التمثيل التجاري قائمة بين الدولة الصهيونية، وعدد من الدول العربية، بما في ذلك تلك الدول التي لا تربطها باسرائيل معاهدات (سلام) ولا حدود مشتركة أصلا. ومنذ عام 1996 يستمر التزام العرب (بالسلام كخيار استراتيجي) ويتم التأكيد على هذا الالتزام بمناسبة وبدون مناسبة، بغض النظر عن رفض اسرائيل لهذا (السلام) وتصعيدها لعدوانها الهمجي على الشعب الفلسطيني الشقيق. لقد كان المشهد فاضحا حينما منعت اسرائيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من حضور قمة بيروت التي كانت أهم نقطة على جدول اعمالها هي (مبادرة السلام العربية) وسعى زعماء عرب لدى أمريكا واسرائيل لضمان خروجه وعودته.. ولكن دون جدوى! فأي سلام هذا؟ ولمن يتوجه العرب بمبادرتهم؟! ألم يكن ممكنا تجميد طرح المبادرة كأبسط رد على هذا الموقف الوقح؟! ألم يكن مهينا للزعماء العرب ان يتم منع أحدهم من حضور قمتهم بقرار من رئيس حكومة العدو الذي يتوجهون اليه بمبادرتهم؟! أما الأنكى فهو الرد الذي وجهته اسرائيل الى العرب جميعا في اليوم التالي مباشرة لتقديم المبادرة نعني الاجتياح واقتحام مكتب الرئيس الفلسطيني. الرد العربي المطلوب ازاء هذا كله لا يمكن للعرب أن يستمروا في سياسة (ادارة الخد الأيسر)!! وتلقي الصفعات بلا نهاية، مطلوب قمة عربية طارئة لحماية الشعب الفلسطيني من المذبحة الجارية ضده، وحماية القضية الفلسطينية من التصفية التي يريدها لها العدو الصهيوني و(الراعي) الأمريكي.. ولتوجيه رسالة عربية قوية الى اسرائيل وأمريكا.. قمة تتبنى المطالب التي ترفعها الجماهير الحاشدة في شوارع المدن العربية، وفي مقدمتها: 1- قطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية مع اسرائيل، وطرد سفرائها ودبلوماسييها وممثليها التجاريين من العواصم العربية التي يوجدون بها، واستدعاء نظرائهم العرب من الدولة الصهيونية. 2- تجميد المبادرة العربية الصادرة عن قمة بيروت حتى انسحاب القوات الاسرائيلية الى مواقع ماقبل 28 سبتمبر 2000 - تاريخ انطلاق انتفاضة الاقصى.. ورفع القيود عن حركة الرئيس عرفات. 3- اعادة النظر في الالتزام العربي العام (السلام كخيار استراتيجي) مادامت اسرائيل مستمرة في رفضها له، وتعزيز القدرات العسكرية العربية. 4- تعزيز الدعم العربي الرسمي والشعبي المادي والمعنوي للانتفاضة، واطلاق مبادرات الجماهير العربية لدعمها بكافة الاشكال. 5- تفعيل مكاتب وانشطة المقاطعة العربية لاسرائيل، والتزام جميع الدول العربية بحضور اجتماعاتها وتنفيذ قراراتها. 6- وقفة موضوعية مع أمريكا تربط مستوى العلاقات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية العربية معها بمدى احترامها للحقوق العربية ومعروف ان الولايات المتحدة لها مصالح كثيرة ومهمة لدى العرب.. نسكت عن التفاصيل تجنبا لاثارة حساسيات لدى أطراف عربية عديدة. ان مايحدث للشعب الفلسطيني هذه الأيام اهانة قاسية للعرب جميعا، حكاما ومحكومين، والسكوت عليه معناه الوحيد قبولنا بالنفي الى هامش التاريخ، وان نكون أمة من الهنود الحمر أو من العبيد الذين تسوقهم الدولة الصهيونية بالسوط. فهل نخون عروبتنا وشرفنا وكرامتنا وانسانيتنا؟! ـ كاتب مصري