حجة كل من الطرفين وجيهة: من يؤيدون استخدام النفط كسلاح سياسي، ومن يعارضون تماما. فهل هنالك طريق ثالث؟ المؤيدون يقولون ان قطع امدادات النفط عن الولايات المتحدة واوروبا واليابان يؤدي الى تصعيد اسعار النفط الخام اضعافا مضاعفة ومتنامية، وان ذلك، مع شح الامدادات نفسها سوف يؤدي الى شلل صناعي في تلك بما يؤدي بالتالي الى احداث تغيير في مواقفها السياسية الراهنة. المعارضون يقولون ان وقف تصدير النفط الى البلدان الصناعية يضر ايضا بالدول العربية المنتجة للنفط بتقلص عائداتها المالية من الصادرات النفطية. وجوهر الحجة هنا هو: كيف تستطيع الدول النفطية مواصلة مساعداتها المالية للفلسطينيين مع انخفاض دخولها؟ ولكن ماذا تقول تجربة الماضي؟ لدينا في الحقيقة تجربتان لكل منهما مدلول مختلف عن الآخر. عقب الهزيمة العربية في حرب عام 1967 تعهدت دول النفط العربية بدفعيات مالية كبيرة الى كل من مصر وسوريا والاردن لمساعدتها في اعادة بناء قواها العسكرية مع اعادة الاعمار، وما كان لهذه الدول النفطية ان تلزم نفسها بهذا التعهد وتفي به لو انها قلصت معدلات تصدير النفط الخام الى الغرب. التجربة الثانية كانت حرب اكتوبر 73 حيث لجأت دول النفط العربية الى سلاح قطع الامدادات النفطية .. لكن الخطة المتفق عليها لم تثمر النتائج السياسية التي كانت مرجوة .. لماذا؟ وفقا لتلك الخطة تقوم الدول النفطية بخفض معدلات الانتاج تدريجيا بطريقة تصاعدية وصولا الى وقف كامل للصادرات النفطية العربية الى دول الغرب. لكن على الصعيد التطبيقي لم تسر الامور كما كان مرتبا لها. اجل .. بمجرد اندلاع الحرب في 6 اكتوبر 73 خفضت الدول العربية النفطية معدلات انتاجها بنسبة 5 في المئة وبعد اقل من اسبوع رفعت هذه النسبة الى 10 في المئة. لكن بعد ذلك لم تف هذه الدول بالتزامها بحظر كامل للصادرات النفطية الى الغرب. وبحلول مارس 1974 اقلعت الدول النفطية حتى عن الحظر الجزئي .. فعادت معدلات الانتاج الى مستوياتها الطبيعية .. دون ان يتحقق اي كسب سياسي للعرب. هل يعني هذا ان قطع النفط العربي عن الغرب سلاح عاطل بالمعنى السياسي؟ لكي يعطي سلاح النفط مردودا سياسيا مجزيا لصالح العرب فان حظر الصادرات النفطية الى الغرب يجب ان يكون اولا عملا جماعيا لا تشذ عنه اي دولة نفطية عربية، ويحبذ ان ينضم اليها ايضا منتجو النفط في العالم الاسلامي من غير الدول العربية، كايران مثلا. وثانيا، لكي يكون نجاح الحظر مضمونا فان قطع الامدادات يجب ان يستمر لفترة شهور طويلة حتى تفرغ المخزونات النفطية الاحتياطية في البلدان الصناعية تماما. وبالرغم من ان تجربة 1973 كانت فاشلة بالمعنى السياسي فانها لم تكن كذلك بالمعنى الاقتصادي. فقد افرز خفض الامدادات النفطية العربية تصاعدا جنونيا في اسعار النفط باكثر من عشرة اضعاف بما عرف باسم «الفورة النفطية» وتدفقاتها المالية الاسطورية لصالح دول الخليج. الآن وعلى خلفية الحرب الاسرائيلية الشارونية ضد الشعب الفلسطيني يطفو الى السطح مرة اخرى الحديث عن استخدام النفط كسلاح، وكما هو واضح فان الهدف هو حمل الولايات المتحدة على تغيير موقفها الانحيازي المعادي للحقوق الفلسطينية. ومرة اخرى يثور جدال بين مؤيدين ومعارضين على الصعيد الرسمي العربي، ومما يدعم حجة المعارضين هذه المرة ان حال السوق النفطية العالمية خلال ما يقارب ثلاثين عاما من عام 1973، الى عام 2002 قد تغير. فبدخول منتجين اضافيين الى السوق، مثل روسيا والمكسيك والنرويج فان حصة الانتاج العربي في السوق تقلصت كثيرا، وبالتالي فان هؤلاء المنتجين الاضافيين ومعهم آخرون من اعضاء أوبك غير العرب مثل فنزويلا في امريكا اللاتينية وانجولا في افريقيا ربما يكونون على استعداد لسد اي نقص في امدادات النفط العالمية قد ينشأ في حالة توقف الصادرات النفطية العربية. مع ذلك يبقى النفط العربي سلاحا ماليا لمساعدة الانتفاضة الفلسطينية وربما تكون المعادلة الوسطية التي تجمع بين المؤيدين والمعارضين لاستخدام النفط كسلاح سياسي هي اقامة صندوق خاص للانتفاضة تتبرع فيه كل دولة نفطية بدولار واحد من ثمن اي برميل نفط تصدره.