في حديث وزير الاعلام والثقافة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان لمجلة «الرجل» ذكر ان عملية تأخر التطور الاجتماعي في المجتمعات الخليجية ساهم فيها الاعلام، لكن المسئولية الكبيرة يتحملها التعليم، وضرب مثلا على الدول المتقدمة التي تخصص اكثر من عشرة في المئة من الناتج القومي لقطاع التعليم، بينما الامارات مثلا التي بلغ ناتجها القومي العام الماضي 66 مليار دولار انفقت على التعليم ستة مليارات درهم اي حوالي 2.5% من الناتج القومي، وفي رأي سمو الوزير: نعم مبلغ ستة مليارات درهم كبير بمقاييس الارقام، لكن كنسبة وتناسب يظل اقل من الطموح بكثير. وأزمة التعليم التي ذكرها سمو وزير الاعلام، يبدو انها مصدر العديد من القضايا والهموم التي يعيشها المجتمع اليوم، فأزمة العزوف عن المشاركة في العمل الاجتماعي واحدة من الاشكالات التي نعيشها وتنعكس آثارها على تطور الفرد والمجتمع، والتربية والتعليم مسئولة مسئولية مباشرة عن تنشئة وتهيئة هذه الاجيال التي لا يعنيها ولا تهتم كثيرا بالمشاركة والمبادرة ولا تعي اهمية العمل التطوعي في حياة الانسان ومستقبل الامة. لم تعلمه التربية معنى العمل والمشاركة المجتمعية، لم تدربه على ذلك فنشأ غريبا عن مثل هذا الميدان، فمن الصعب ان تؤسس فيه ذلك على كبر، لن يفهمه ولن يؤمن به بسهولة، سيحتاج الى زمن ومحاولات وظروف حتى يتعود ويفهم ويشارك وبعد ذلك يبادر ويساهم في دعم وتطوير هذا الجانب من المسئولية المجتمعية. اذا نظرت الى الاندية وما تحويه من مبان وتجهيزات ضخمة، لن تجد فيها سوى عدد بسيط من اللاعبين هم المستفيد الوحيد من كل هذه الامكانات والقدرات (طبعا الموازنات والرواتب الخيالية مخصصة للمدربين واللاعبين الاجانب فقط) رغم ان توجه ورسالة الاندية ثقافية اجتماعية قبل ان تكون رياضية، قد يكون القصور في رؤية الهيئات الادارية لبعض هذه الاندية التي حكرتها على الرياضة وعلى كرة القدم تحديدا، لكن لو تواجد الشباب الفاعل والمتحمس للعمل الثقافي والفني والاجتماعي بالتأكيد انه سيغير من هذه النظرة وسيفرض وجوده ودوره في هذه المؤسسات الشبابية. هناك ايضا جمعيات النفع العام المعنية في المقام الاول بتثقيف وتأهيل وتطوير العمل التطوعي، والتي اصبحت من كثرة عددها تشمل كل مجال وتخصص، لو نظرت اليها اليوم لوجدت انها خاوية وفارغة من الناس والنشاطات (اللهم إلا جمعية او ثلاث). لا تجد من يتطوع ويبادر ويعمل، وأقل من ذلك ان يحضر ويستمع اذا وجد النشاط، والأمر من كل ذلك ان لا تجد اغلب هذه الجمعيات اعضاء يملكون الرغبة ويتنافسون لدخول مجلس الادارة عند اجراء الانتخابات، فتجد الوجوه ذاتها تتكرر في كل دورة على مدار عشرات السنوات، وتفوز كالعادة بالتزكية! كيف نريد ان نصنع مشاركة شعبية ونساهم في تطوير المجتمع والنهوض به، وأبسط علامات هذا الدور غائبة عنا، اذا كنا لا نستطيع ان ننهض ونطور هذه المؤسسات المجتمعية التي هي الرافد الاكبر لتطوير وصقل الطاقات وتبادل الخبرات، والتي من خلال دورها يمكن ان نلمس احتياجات وقضايا المجتمع، وايضا هموم وطموحات الفئات والتخصصات في مختلف المجالات والعلوم. اذا غاب دور مثل هذه المؤسسات الاهلية، فكيف نطمح ونتحدث عن مطالب واحتياجات أوسع وأكبر؟ من يدخل الى الشارقة، ويشاهد أجمل وأغلى قطعة فيها وهي «القصباء» التي بناها وعمرها وطورها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي وقدمها هدية للمثقفين ومؤسسات النفع العام، من يدخل القصباء ويشاهد ضخامة وروعة مبانيها وجمال المناظر التي تطل عليها من كل الاتجاهات، ويشاهد مقابل ذلك فقرها من الناس في كل الاوقات، وفي معظم المواسم، فلا تلمح في حالات كثيرة ظل رجل او امرأة يتحرك فيها! من يشاهد هذا الواقع يصعب عليه حال القصباء، فلو حولت الى أسواق او حتى مطاعم فإنها ستستقطب بشرا وستحقق دخلا. فلا يجوز ان تكون هكذا صورة المكان، الذي يعتبر اعظم هدية لم تحلم بها المؤسسات المجتمعية وأهل الثقافة يوما. وما ينطبق على الجمعيات والأندية يسري ايضا على المؤسسات الخيرية والاخرى المعنية مباشرة بالاحتياجات والبرامج المجتمعية، جميعهم، جميعهم في حاجة الى متطوعين، يبحثون عن مشارك او مشاركة يبادر او يستجيب لدعوة المبادرة ويعمل معهم، وحاجتهم الى العمل في كل المجالات من اجل مجتمع افضل. متى سيتغير واقع المؤسسات المجتمعية، ومتى سيعي أفراد المجتمع اهمية وقيمة العمل التطوعي، سيحدث ذلك عندما يتغير واقع التربية والتعليم، وهذا امر يحتاج الى انتظار.. لا ندري ما هو مداه ومتى سيتحقق..؟!