في هجومها على السلطة الفلسطينية وعلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تقوم اسرائيل بعملية تحد كبيرة للعالم العربي والاسلامي.. وبينما قدم العرب في مؤتمر القمة تصورا قيما للسلام، تقوم اسرائيل بالرد على المبادرة العربية من خلال هجومها على السلطة الفلسطينية. ان ما تقوم به اسرائيل لا يخرج عن السياق التاريخي العام: التوسع، والاستيطان، وممارسة العنف واستخدام القوة لفرض نفسها على القضية الفلسطينية. هكذا نجد ان اسرائيل تصب في صراع لا يخدم الوجود اليهودي في فلسطين ولا يصب في خدمة تطور ومستقبل منطقة الشرق الاوسط. بل تصب العملية الاسرائيلية في صراع عربي اسرائيلي لا نهاية له في المدى القريب، وهو صراع قابل للتوسع لو استمرت اسرائيل في اتباع السياسات ذاتها التي تتبعها الآن. ان حالة الصراع الراهنة تؤكد لنا ان التطرف في اسرائيل قد وصل الى اعلى مداه، وان شارون يسعى بكل ما يستطيع لتصفية حسابه القديم مع الفلسطينيين. فهناك خيط يجمع تواريخ عديدة ميزت عهود شارون، ففي السابق ساهم شارون في مجازر ضد الفلسطينيين عندما كان رئيسا للوحدة الاسرائيلية التي كانت تلاحق الفدائيين الفلسطينيين في الضفة الغربية في الخمسينيات، وفي حرب 1973 قاد الهجوم المضاد على مصر ـ وفي عام 1982 قاد الهجوم على لبنان والفلسطينيين والذي توج بمجازر صبرا وشاتيلا عام 1982، ولعب دوره في السنوات الاخيرة في مساعدة الاستيطان، كما ان الانتفاضة تفجرت بسبب زيارته الاستفزازية للمسجد الاقصى. والاهم في سيرة شارون انه اعلن منذ بداية اتفاقات اوسلو عام 1994 انه ضد هذه الاتفاقات، كما انه جاء الى رئاسة الوزراء في اسرائيل في ظل تصور لانهاء اتفاقات اوسلو وانهاء السلطة الفلسطينية واستغلال كل موقف سياسي لعمل ذلك. بل ان شارون الذي يطالب عرفات بإيقاف العنف الفلسطيني هو نفسه الذي اضعف الرئيس الفلسطيني من خلال وضعه تحت الاقامة الجبرية. ان الهدف الحقيقي لهذا الاعتداء هو تصفية القضية الفلسطينية واضعاف الوضع الفلسطيني. لكن الاحداث التاريخية اثبتت انه بلا حل سياسي سوف تبقى القضية الفلسطينية كقضية مركزية للشعب الفلسطيني ولجميع الشعوب العربية والاسلامية. ففي السابق انهت اسرائيل منظمة التحرير في لبنان عام 1982 ليأتي اليها ما هو اصعب: حزب الله، والانتفاضة الفلسطينية عام 1987، وغيره من تعبيرات المقاومة. في النهاية ان غياب حل لقضية عادلة سوف يبقى يفرز تعبيرات سياسية ونضالية دائمة. ان القضية الفلسطينية هي في جوهرها قضية استقلال وتحرر من احتلال وانهاء استيطان، وبدون هذا يصعب تجميد وايقاف الصراع، بل ان جوهر القضية الفلسطينية يتطلب عملا واضحا باتجاه الانسحاب الاسرائيلي قبل كل شيء. ان الخطر الذي يمثله عرفات على حكومة اسرائيل قد اصبح واضحا. فهو القائد الفلسطيني الذي فاوض ولم يتنازل عن المبدأ، وهو الذي ذهب الى ابعد الحدود في المحافظة على المبدأ في قضية القدس وفي قضية عودة جميع اراضي الضفة وغزة وحق العودة. في هذا مارس عرفات السياسة والنضال التاريخي كما مارسه غيره من قادة الشعب الفلسطيني: الحفاظ على مبدأ الارض والحقوق تحت اسوأ الظروف وأصعبها. وتقف الادارة الامريكية في الميزان الصعب، فهي لا تستطيع ان تترك الامر يتدهور الى ما لا نهاية لانه سوف يساهم في تثوير منطقة الشرق الاوسط على اوسع نطاق، وسوف يؤدي تدهور الوضع الى الاضرار بالمصالح الحيوية الامريكية. تحت كل الظروف تؤكد الحرب الراهنة انه لا تعايش مع الاحتلال ولا تعايش مع عنف المستوطنين وقهر ارادة المجتمع الفلسطيني والعربي، وسيكون من الصعب على اسرائيل ان تتفادى حقيقة تاريخية سوف تلاحق عنفها مهما بلغ: الانسحاب والحل العادل هما جوهر القضاء على الارهاب، اما القوة العسكرية والطغيان الاعمى ضد الشعب والمدنيين والحقوق فهو السبب الرئيسي للارهاب. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت