في عدد مجلة «نيوزويك» الاخير (بتاريخ 1 ابريل 2002) نجد الغلاف والملف المطول حاملين للقضية التي تشغل بال الادارة الامريكية، في شكل سؤال كبير توسط نجمة داود على كامل الغلاف وهو: مستقبل اسرائيل وكيف سيكتب لها البقاء؟ The FutureOf Israel How Will It Survive? مع مقال لهنري كيسنجر وزير خارجية الرئيس نيكسون والرئيس كارتر، وهو الرجل ذو الاصول اليهودية الذي هندس وخطط لمسيرة كامب ديفيد التي انتهت بزيارة الرئيس الراحل محمد انور السادات الى القدس ـ وهي محتلة ـ وخروج مصر اكبر دولة عربية من دائرة الصراع العربي الاسرائيلي. جاء مقال كيسنجر بعنوان رمزي مفيد هو: ماذا باستطاعة امريكا ان تفعله؟ وبالطبع فإن هنري كيسنجر يظل وفيا لعقيدته السياسية التقليدية المعروفة، حيث يجيد الربط الوثيق بين مستقبل اسرائيل ومصالح امريكا، غير مكترث بالخطر المحدق من جراء وحشية شارون، بمستقبل اسرائيل ذاتها وبمصالح امريكا في نفس الوقت، مستقبل اسرائيل الذي سيبقى مهددا على الأمد المتوسط بحقائق التاريخ والجغرافيا والتركيبة السكانية وتفجر الوضع الأمني .. اكثر من اي شعب يعيش في الشرق الأوسط. فمجلة «نيوزويك» ادرجت في تحقيقها المطول جدولين يبينان هذه الحقيقة الساطعة حول المأساة الفلسطينية، حيث نشرت بالأرقام أصول «الشعب الاسرائيلي» الغريبة، والذي جاء «مواطنوه» من بقاع متنافرة ومتباينة من الدنيا ليحتلوا ارضا شردوا شعبها الاصيل على مدى خمسة وخمسين عاما. نقرأ في جدول اصول «الاسرائيليين» مايلي: 907200 جاؤوا من الاتحاد السوفييتي و 167400 جاؤوا من المملكة المغربية، و 125800 جاؤوا من رومانيا، و 83300 من بولندا و 76800 من العراق و 69500 من امريكا الشمالية و 56300 من اثيوبيا وممن يطلق عليهم اسم الفلاشا، و 51600 من ايران و 42300 من المغرب العربي اي من تونس والجزائر و 37000 من اليمن، ومن بقاع اخرى مختلفة جاء 340500. هذه هي مهزلة الحقيقة الاسرائيلية، وحتى زعماء اسرائيل من بن جوريون الى رابين الى بيريز الى شارون الى شامير كل منهم جاء من شعب ومن ثقافة يختلفان عن البقية. اما جدول بيانات الشعب الفلسطيني العربي فيدل على ان كل ابناء فلسطين مولودون على ارض فلسطين كالزيتونة والرمانة والكرمة، لكنهم تشردوا في الارض حين حل الجراد القادم على بواخر وعلى طائرات، وتوزع شعب فلسطين الاصيل ضاربا في ارض الله مشردين كما تبين «نيوزويك». ففي المملكة الاردنية الهاشمية يعيش مليونان ونصف المليون، وفي الضفة الغربية يعيش 2057000 وفي قطاع غزة يعيش 1167000 وفي داخل مايسمى باسرائيل يعيش 1131000 وفي لبنان نجد نصف مليون يزيد قليلا، وفي سوريا يعيش 463000 وفي المملكة العربية السعودية نجد 296000، وفي الولايات المتحدة جالية فلسطينية تقدر بنحو 214000 وفي دول مجلس التعاون ـ بدون المملكة العربية السعودية ـ نجد 114000 وما بين العراق وليبيا يعيش 80000 وفي اقطار اخرى من العالم يعيش 372000 فلسطيني. هذه حقيقة كوكتيل المولوتوف الحضاري الخطير القابل للانفجار في كل لحظة، لا لينحصر في فلسطين بل ليمتد الى كل الشرق الاوسط، لانه وضع مؤسس على باطل وعلى واقع مفروض فقط بقوة النار والحديد، وهي قوة تسعى الى ضعف والى زوال في حالة ميل بعض الاوضاع التي تبدو ثابتة الى التغيير والتحوير، بمفعول الاحتقان وتزايد السكان واضطرار هذه الملايين من الفلسطينيين الى حماية ارواحهم واقواتهم وعيالهم .. وهي كلها مهدورة الى جانب كرامتهم وهم معرضون كما رأينا خلال الاسبوع الماضي الى ابادة باردة صامتة جائرة امام كاميرات الفضائيات. وتمضي «نيوزويك» تقارن بين الشعب الفلسطيني والكيان الاسرائيلي، فتصرخ الارقام بالتميز العنصري المنظم وبالاستعمار التوطيني البغيض ـ بالارقام لا بالكلام. فالبطالة تضرب نسبة 38 بالمئة من شعب فلسطين بينما لاتمس الا 9 بالمئة من الاسرائيليين، والتعليم الثانوي يشمل فقط 119 بالمئة من الفلسطينيين بينما يشمل 37 بالمئة من الاسرائيليين اما موت الاطفال لدى الفلسطينيين فنسبته 26 بالمئة بينما لا يتجاوز لدى اسرائيل نسبة 08 بالمئة ويبلغ معدل الأمل في الحياة لدى الفلسطينيين 72 عاما ولدى الاسرائيليين 79 عاما. اما الارقام التي ترجح كفة ابناء فلسطين على المدى الطويل فهي نسبة الولادات لدى المرأة الفلسطينية 61 بينما هي لدى المرأة الاسرائيلية 26، مما سيجعل الفلسطينيين في عام 2050 بكل من غزة والضفة والقدس الشرقية لوحدها اكثر عددا من الاسرائيليين. والى جانب هذه الجداول البيانية نجد خرائط فلسطين الخمسة الاعوام 1948 و 1967 و 1987 و 1995 و 2000، وهي خرائط ناطقة بفداحة السرطان الصهيوني الذي ضرب في قلب فلسطين وانتشر عبر تلك المحطات التاريخية بشكل يفرض واقعا مصطنعا ومتجددا .. قابلا للتوسع اكثر. وضم عدد المجلة مقالين ـ رأيين ـ او رؤيتين بالاحرى للصراع الدائر، لرجلين الاول اسرائيلي هو مارتن فان كريفلد استاذ التاريخ بالجامعة العبرية، والثاني هو سري نسيبة الفلسطيني ومسئول ملف القدس في السلطة، وكلاهما يتحدث طبعا عن ضرورة السلام، ولكن السلام يظل بعيد المنال بسبب تلك السياسة الهوجاء، او بالتالي اللاسياسة المتهورة التي ينتهجها شارون بدعم امريكي غير محدود. وبالرغم من ان نيوزويك واضحة الاتجاه الايديولوجي في صور «ضحايا» اليهود، فانها لم تستطع اخفاء فداحة الصراع وطابعه الاستعماري العنصري، وذلك من خلال ماذكرنا من ارقام وجداول وخرائط خدمت ـ بدون ارادة المجلة الامريكية ـ قضية الشعب الفلسطيني العادلة ومشروعية كفاحه وبطولة مناضليه واستشهاد شبانه وشاباته قربانا للقدس والاقصى ودفاعا عن المقدسات. ولقد اردنا ان نحلل انموذجا اعلاميا امريكيا واحدا من مئات النماذج لنستخلص الحقيقة التالية: وهي ان الاعلام الامريكي المنحاز الى الطروحات الاسرائيلية في معظمه، لم يستطع مهما بذل من جهود ان يطمس شمس القضية بالغة الاشراق والتوهج، فالقضية الفلسطينية بفضل صمود شعبها وبسالة جهادها فرضت نفسها على الاعلام حتى الموجه منه والمخطط والمبرمج والمعادي فالحق يعلو وينتصر وان الباطل كان زهوقا. ذلك نموذج من النماذج يؤكد ان معركتنا العربية والاسلامية في ساحة الجهاد الاعلامي هي معركة باستطاعتنا ان ننتصر فيها، اذا ما دخلناها بعقلية المنتصرين لا بعقلية المنهزمين. ـ استاذ اعلام في جامعة قطر