ملامح السيناريو تزداد وضوحا كل يوم: شارون يبعث بمئات الدبابات لسحق الفلسطينيين بالجملة. وبوش يتولى مهمة العلاقات العامة لتطمين الانظمة العربية لمدى اسبوعين او ثلاثة، هي المدة، التي يحتاجها شارون لتنفيذ أهداف خطته: قصم ظهر المقاومة الشعبية، وتدمير ما تبقى من بنية تحتية للسلطة الوطنية الفلسطينية، والغاء وجود القيادة العرفاتية. وكبعد ثالث فإن المطلوب من الانظمة العربية ان تكون شريكا بالتواطؤ السكوتي. فهل يتجاوب القادة العرب؟ ما ليس بوسع القادة العرب (وأيضا قادة الدول الاسلامية) ان يجادلوا فيه هو الشراكة الاجرامية الامريكية لاسرائيل التي ثبتت كحقيقة ساطعة منذ اليوم الاول لعملية الاجتياح الاسرائيلي. فالرئيس جورج بوش لم يترك زيادة لمستزيد بتصريحاته اليومية التي يدعو فيها العالم الى «تفهم» العملية الاسرائيلية كعمل من اعمال «الدفاع عن النفس»، ويدعو فيها الرئيس عرفات الى ادانة عمليات شعبه الاستشهادية. فبينما تواصل مئات الدبابات الاسرائيلية اكتساح المدن الفلسطينية واحدة تلو الاخرى على خلفية محاصرة عرفات داخل غرفتين في رام الله، فإن بوش يتجاهل هذا المشهد المتحرك الدامي تماما ليركز على عمليات المقاومة الاستشهادية ويقول: «لن يكون هناك سلام طالما ان هناك ارهابا». هذه التصريحات المتكررة يوميا ليست وليدة هذا المشهد المتحرك كما قد يبدو. هي في الحقيقة الفصل الاخير المعلن لسيناريو متفق عليه سلفا بين بوش وشارون. وفي هذا السياق يقول ياسر عبدربه وزير الاعلام الفلسطيني ان السيناريو ينطوي على خطة عسكرية جرى ترتيبها خلال زيارة نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني الى اسرائيل ولم تنقض ايام قلائل على ختام هذه الزيارة حتى اشعل شارون النار. ووفقا للسيناريو الشرير، يقول عبدربه، تقدم اسرائيل شروطا تعجيزية الى الجانب الفلسطيني عبر المبعوث الامريكي أنتوني زيني. زيني نفسه يتبنى الشروط لدعوة الفلسطينيين الى الاستسلام. يرفض الفلسطينيون الشروط المذلة كما هو حتمي. ويتخذ الرفض الفلسطيني ذريعة لتنفيذ عملية الاجتياح الاسرائيلي لاعادة احتلال كل مناطق الحكم الذاتي. عند ذلك يدخل على الخط جورج بوش شخصيا ليتولى بنفسه مهمة مدير العلاقات العامة والدعاية للعملية الاسرائيلية. وهي مهمة موجهة بصورة خاصة الى الانظمة العربية والاسلامية. «حياة عرفات ليست في خطر. نحن نضمن ذلك»، هذا هو المحور المركزي لخطة بوش الدعائية الموجهة الى القادة العرب بصورة خاصة. والدور المطلوب من القادة العرب هو تسويق هذا الخط الدعائي لطمأنة الجماهير حتى لا يتحرك الشارع العربي. وسواء استجابت الانظمة العربية للداعي الامريكي او رفضت الاستجابة، فإن الشراكة الاجرامية الامريكية لاسرائيل باتت من الوضوح ـ في عصر ثورة الاتصالات والنقل التلفزيوني المباشر عبر الحدود الجغرافية بالأقمار الصناعية ـ بحيث ان جماهير الشارع العربي لم تدرك هذه الحقيقة فحسب، بل وأخذت تتصرف عمليا على اساس هذا الادراك. فالمظاهرات اليومية العارمة في العواصم العربية لا يحول بينها وبين التعبير عن مشاعر الاستنكار امام السفارات الامريكية او الاسرائيلية او كليهما الا شرطة الشغب. تأسيسا على هذا كله لم يعد مفهوما لدى الشارع العربي ان تطلب الحكومات من الولايات المتحدة التدخل في المشهد الشرق أوسطي «للضغط على اسرائيل».. ثم تأمل هذه الحكومات في واشنطن خيرا. فالانحياز الامريكي لاسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب أجمعين ليس موقفا عارضا قابلا للتغيير انها شراكة استراتيجية دائمة كالزواج الكاثوليكي. ولذا فإن الشارع العربي ليس بوسعه ان يقتنع بأن الولايات المتحدة «صديق للعرب» وفي الوقت نفسه شريك ثابت للاسرائيليين. كيف يستقيم منطقيا ان تعتبر الانظمة الحاكمة العربية الانتفاضة الفلسطينية نضالا وطنيا مشروعا، وتعتبرها الولايات المتحدة ارهابا جديرا بالقمع الوحشي بينما في الوقت نفسه تتعامل الانظمة مع الولايات المتحدة كصديق؟