اختلال التوازن العسكري بين الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى المؤثرة، ومن بينها الاتحاد الأوروبي، كان واضحا منذ أن انهار الاتحاد السوفييتي وتفتت إلى دويلات لا حول لها ولا قوة، وما تبقى بين أيدي ساسة الاتحاد الروسي من أسلحة دمار شامل فتاكة، نووية وغير نووية، يمكن أن تخشاها الولايات المتحدة أصبحت بلا فاعلية بعد أن تم تدجين الساسة الذين يديرون الأمور في الكرملين، وذلك عبر المساعدات الاقتصادية التي بدت اكثر إلحاحا لسد احتياجاتهم الأساسية من إلحاح التنافس في مجال السلاح وبسط النفوذ. لكن هذا التفوق العسكري الأمريكي لم تكن تقيم له القوى المنافسة أي حساب أو وزن، خاصة أن معظم تلك القوى المنافسة كانت تتفق استراتيجيا وسياسيا مع الولايات المتحدة، وتتطابق الكثير من المصالح بينهما بحيث لا تصبح مشكلة التفوق العسكري مجالا للنقاش، وربما كان التطابق اكثر في المصالح بين الاتحاد الأوروبي كقوة غربية ناشئة تبحث لها عن مكان تحت الشمس، بعد أن انهمكت الصين في التوجه نحو عولمة اقتصادية خاصة بها تساعدها على النمو الاقتصادي مع الحفاظ على بعض من توجهات النمط الذي عاشته خلال القرن العشرين، وتسابق حلفاء روسيا في الفوز ببعض فتات موائد الغرب، سواء من خلال الدخول في حساب القوة المنافسة السابقة، مثل إعلان العديد من تلك الدول انضمامها لمجموعة دول حلف الاطلسي، أو بحثا عن المساعدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره قوة محسوبة على الولايات المتحدة لا ضدها. قبل التحول الأوروبيون لم يكن في حسابهم أن يكونوا منافسين للولايات المتحدة التي تهيمن على قواتهم العسكرية من خلال قيادة حلف الاطلسي، ولم يكن هناك مجال في أي لحظة، منذ انهيار جدار برلين، للوقوف ومناقشة تلك العلاقة برمتها والبحث عن نقاط التوافق والخلاف فيها، لأن الواقع أن مصالح معظم دول الاتحاد الأوروبي تلتقي مع المصالح الأمريكية، وإذا لم تكن متطابقة فإنها على الأقل لا تشكل ركيزة لخلاف كبير يمكن أن يعيد النظر في التحالف الاستراتيجي القائم بين الجانبين منذ الحرب العالمية الثانية. ربما كانت حرب الخليج الثانية مثالا واضحا على عدم وجود خلافات عميقة أو استراتيجية تجعل الحلفاء في دول الاتحاد الأوروبي يطرحون مشكلة التوازن العسكري المفقود مع الولايات المتحدة، وبما أن المصالح كانت شبه متطابقة فقد كانت المشاركة العسكرية في إخراج قوات صدام حسين من الكويت في ظل القيادة الأمريكية شيئا عاديا، بل هناك من السياسيين الأوروبيين من يبارك هذا التفوق العسكري الأمريكي، ويطالب بعدم مناقشته، لأن القائم حاليا يعتبر من وجهة نظرهم في صالح الشعوب الأوروبية التي تترك الإنفاق العسكري يقع على عاتق دافع الضرائب الامريكي، فيما توجه الحكومات الأوروبية معظم دخلها لتحقيق مزيد من الرفاهية لأفراد شعوبها. إلا أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كشفت فجأة عن أن هذا الاختلال في التوازن العسكري لصالح الولايات المتحدة يشكل خطرا حقيقيا على المصالح الأوروبية، على الرغم من انه في اللحظات الأولى لتلك الأحداث الدامية تقدمت الحكومات الأوروبية جميعها بالدعم الكامل لواشنطن في حربها ضد ذلك العدو المجهول الذي كشف فجأة عن الثغرات الخافية التي تجعل اكبر وأعتى قوة في العالم عرضة لأعمال عسكرية مهينة دون أن تملك لها صدا، لأن الولايات المتحدة قبلت شاكرة شقاً من هذا الدعم ورفضت شقاً آخر، أي قبل الرئيس بوش وفريقه الدعم العسكري أو اللوجستيكي الذي يزيد من الجانب الذي تتفوق فيه الولايات المتحدة على الجميع وهي القوة العسكرية، وتجاهلت الشق الآخر الذي طالب به السياسيون الأوروبيون، وهو جانب التنسيق السياسي فيما بين دول الاتحاد الأوروبي وواشنطن. بل أن إدارة الرئيس جورج بوش الابن أعلنت صراحة أنها تقبل الدعم العسكري من الحلفاء دون شكر لأنه واجب على الجميع دعم واشنطن في هذه اللحظة، أما مسألة التنسيق لمواجهة ذلك العدو المجهول فستكون بعد أن تتم هزيمته والقضاء عليه، أي أن على الحلفاء أن يقدموا دعمهم أولا، ثم بعد ذلك يمكن للولايات المتحدة أن تنظر فيما إذا كانت ستنسق استخدام هذا الدعم مع الحلفاء أم لا. ثم زادت على ذلك بإعلان أن مسألة الدعم يجب أن تكون بلا شروط، ولا حتى مجرد التساؤل عن الأهداف التي يجب أن يصب في تحقيقها هذا الدعم، وإلا فإن الصديق يصبح عدوا، لأنه حسب تعبير بوش: «من ليس معنا فهو عدونا»، وربما كان في استخدامه لهذا التعبير كشف عن النوايا والتوجهات الحقيقية لإدارته التي ترى المصالح الأمريكية أولا، ثم من بعدها يمكن النظر في مصالح الحلفاء والشركاء، ومصالح الأمن والسلام العالمي. المدرسة الكيسنجرية هذا التجاهل للشق الثاني آثار شكوكا في الأهداف التي ترمي من ورائها الولايات المتحدة كقوة عسكرية متفوقة ومتفردة في العالم، لأن رفض التنسيق مع الحلفاء في مثل هذه اللحظات الحرجة يعتبر ضربا من الانعزالية التي يخشاها السياسيون الأوروبيون في توجهات القيادة السياسية في واشنطن، وربما كانت تصريحات مسئول السياسة الخارجية الأوروبية الإسباني سخافيير سولاناس معبرة في حينها عن هذه الشكوك، فقد قال: زأمريكا تتجه نحو الانعزالية العالميةس. ثم جاء الوزير «السوبر» الأمريكي « هنري كيسنجر» ليعيد من جديد على الأذهان الاستراتيجية التي رسمها بنفسه قبل اكثر من ثلاثة عقود، ونفذها بكل ما فيها من أنانية أمريكية وبرودة أراقت انهارا من الدماء في العالم كله، ووضعت لأول مرة في التاريخ الأمريكي المعاصر موضع التنفيذ إراقة دماء أمريكية دفاعا عن مصالح شخصية ضيقة. أكد كيسنجر في كتابه سهل تحتاج أمريكا لسياسة خارجية؟» على أن السياسة الأمريكية الخارجية، والمقصود هنا بالطبع النفوذ الأمريكي، يجب أن يتم في إطار المصالح الأمريكية الخالصة، ولا يجب أثناء تنفيذها الأخذ بعين الاعتبار أي مصالح اخرى، ولا حتى السلام والأمن العالمي، لأن الأمن الوطني الأمريكي يجب أن يكون في المقام الأول. وتجرأ هنري كيسنجر على حلفاء أمريكا الأوروبيين في حلف الاطلسي، واتهمهم بعرقلة الخطط الأمريكية في هذا الاتجاه، لمجرد انهم يريدون طرح تلك الخطط الاستراتيجية على بساط البحث، وهذا من وجهة نظره مرفوض، لأن الخطط الأمريكية يضعها الامريكيون، وهدفهم منها واضح وهو الأمن الوطني الأمريكي، والمصالح الأمريكية. بل يشكك هنري كيسنجر في نوايا معظم الساسة الأوروبيين، ويرى انهم بعد اختفاء الاتحاد السوفييتي يرون في ميراثه المتمثل في الاتحاد الروسي صديقا لا عدوا كما كان في السابق، وهذا من وجهة نظر كيسنجر مرفوض، لأن التوجه نحو روسيا قد يدفع بالأوروبيين إلى التخلي عن تحالفهم الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ويبرر هذا التوجه بان الاتحاد الأوروبي الحديث العهد بالحياة يحاول أن تكون له شخصيته المستقلة سياسيا، ومثل هذا التفكير قد يكون نابعا من القوة التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي في ظل وجود الاتحاد الروسي المدجن سياسيا واقتصاديا، وألمانيا الموحدة التي تريد العودة بقوة إلى الخارطة السياسية الدولية. لذلك يرفض كيسنجر أن تقبل الإدارة الأمريكية الحوار حول أي من خططها وأهدافها الإستراتيجية، بل يهيب بالإدارة الأمريكية أن تعمل بمعزل عن الآخرين في تحقيق هدفها الأول وهو الأمن الوطني الأمريكي المتمثل في تحقيق المصالح الأمريكية، لأنه في اللحظة التي تبدأ فيها الدول الأوروبية في تخيل علاقاتها مع الولايات المتحدة كعلاقات متساوية، أو قائمة على قدم المساواة من الناحية العسكرية والسياسية فإنها ستضع المصالح الأمريكية في العالم في خطر، لأن قبول أمريكا لحوار متوازن مع الاتحاد الأوروبي سوف يشجع قوى أخرى على التعامل مع الولايات المتحدة كند. من هنا يرى كيسنجر ألا تشجع الإدارة الأمريكية حوارا في المجال العسكري والسياسي مع الاتحاد الأوروبي موازيا للحوار القائم حاليا في المجال الاقتصادي والتجاري، ويطالب الإدارة الأمريكية أن ترفض الحوار مع أوروبا أو غيرها خارج النطاق التجاري، حتى يمكن حصر مجال المنافسة في هذا المجال فقط، وبقاء الهيمنة العسكرية والسياسية على العالم لصالح الولايات المتحدة بلا منافس. الدور العربي من هنا بدأت بعض الأصوات تتعالى في دول الاتحاد الأوروبي مطالبة بإعادة النظر في السياسة الخارجية الأوروبية، وتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، لأن المصالح بدأت تتباين وتخرج عن نطاق التطابق، أو التقارب السابق، لكن السؤال الذي يبحث عن إجابة: هل تستطيع أوروبا في الوقت الراهن أن تتحرك دوليا بعيدا عن الولايات المتحدة الأمريكية؟. يرى بعض المحللين أن التحرك الأوروبي في مجال السياسة الدولية بعيدا عن الهيمنة الأمريكية مستحيل في الظروف الراهنة، لأن من يملك القوة واستخدامها يملك فرض وجهة نظره السياسية. إلا أن البعض الآخر يرى أن هناك إمكانية في الخروج من تلك الهيمنة، بل ويرون انه من واجب الاتحاد الأوروبي أن يتخذ سياسة خارجية خاصة به في العالم بعيدا عن السياسة الأمريكية، ويبررون ذلك بأن الإدارة الأمريكية بتمسكها بسياستها الانعزالية ورفضها للخضوع للقوانين الدولية تهدد السلام والأمن في العالم، ويرون أن على الاتحاد الأوروبي ان يبدأ الآن ومنذ هذه اللحظة في تبني سياسة خارجية بعيدة عن التوجه الأمريكي، ويرون أن الشرق الأوسط الذي يعتبر المنطقة الأكثر تفجرا في العالم الآن يجب أن يكون البداية، لأنه من الواضح أن المصالح الأمريكية في تلك المنطقة بدأت تتناقض مع المصالح الاوروبية، بل ان سياسة أمريكا الداعمة لإرهاب الدولة الذي تمارسه حكومة شارون تعرض المصالح الأوروبية في هذه المنطقة للخطر، من هنا تصبح الحاجة ماسة إلى سياسة أوروبية مستقلة. لكن هذه السياسة الأوروبية التي يرى البعض أنها يجب أن تبدأ في الشرق الأوسط من خلال التحرك بشكل مستقل يرغم الإسرائيليين ومعهم أمريكا على قبول الشرعية الدولية التي داسها شارون بأقدامه معتمدا على الدعم الأمريكي اللامحدود، هذه السياسة تحتاج إلى عوامل مساعدة لتنجح، وهذه العوامل المساعدة يؤكد المراقبون أنها في يد العرب، أو في يد من يصنعون السياسة العربية، من هنا تصبح الحاجة ماسة إلى ترك العرب لسياسة مناشدة الولايات المتحدة بالتخلي عن دعم شارون، والتحول إلى دعم سياسة أوروبية مناقضة للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل تجبرهما معا، إسرائيل وامريكا، على قبول تنفيذ القرارات الدولية. من هنا يأتي السؤال الآخر الذي يبحث عن إجابة: هل العرب على استعداد لمساعدة الاتحاد الأوروبي على ممارسة سياسة دولية مستقلة بعيدا عن واشنطن، وتمهد للفكاك من الهيمنة الأمريكية؟. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا