الغليان الذي تعيشه الساحة العربية من أطرافها، نتيجة الأوضاع المختلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ابتداء، لا يسكت عنه ولا عليه، لأنه فاق في حده كل التصورات، العقلية والقرارات الدولية والضغوطات غير المجدية لايقاف اسرائيل المندفعة نحو حتفها عند حد معين. المسيرات الحاشدة والاعلام المركز على بؤرة الحدث من كل جوانبه والنداءات العربية الداخلية والخارجية لاستجداء عطف كل المنظمات الدولية الفاعلة في العالم للتدخل السريع من اجل وقف هذه الحرب الدائرة من طرف واحد مع وقف التنفيذ أو الدخول فيها مع الطرف العربي بكل مستوياته لم تجد فتيلا وتطفئه. منذ انتهاء القمة، لم تزدد الامور الا سوءا وتدهورا وانحدارا واضحا امام كل الاعين المفتوحة والمغلقة، فردود الفعل العربية ما زالت قاصرة للوصول الى موقف موحد لتقوية الموقف الفلسطيني الرسمي في مواجهته للدبابات التي تحاصر وتقصف كل شيء متحرك على الأرض الفلسطينية الغالية. هذه الحالة من التشخيص لا يختلف عليها اثنان ولكن الاختلاف يأتي في المعالجة الصحيحة لمثل هذه الحالة التي فاقت درجات الغليان الطبيعية الى حالة من التبخر في الجهود التي تبذل للعودة الى طاولة المفاوضات التي ضاعت بين سطور السياسة العربية والدولية معا. نسمع الكثير من التحليلات المشبعة بالعاطفة من اجل الوصول بالجمهور العربي أو الرأي العام العربي الى مرحلة من الفعل غير الارادي في أي مكان وقد يضر بالقضية الفلسطينية اكثر مما هي متعثرة في حالتها الآن. فالعاطفة الجياشة وهي صحيحة لا تعيد حقا مغتصبا بقدر ما تدر الدموع من العيون وتبح الاصوات من الصدح وتقطع حبال الحناجر من كثرة الخطب الحماسية في المناسبات الرسمية وغير الرسمية. لا نريد لأمة العرب ان تعيش حالة الستينيات من القرن الماضي في مأساة النكسة المعروفة، مظاهرات صاخبة ومسيرات مجيشة وخطب عصماء وكلمات نارية لا تؤثر في القرارات السياسية للدول العربية وكانت النتيجة معكوسة تماما وهي المزيد من التقارب مع اسرائيل مع ان كل الشعوب العربية ترفض التطبيع جملة وتفصيلا، الا ان السياسة تفعل اعمالا غير ذلك يجب عدم اغفالها حتى لا تضطر الدول العربية التي لم تصل الى هذه الساعة لقرار موحد يلبي الدافع العاطفي للشعوب الفائرة من الداخل اكثر من الخارج، تدفع الامة ثمنها باهظا دون ان يعود الينا حق مغتصب منذ عقود. اننا بانتظار قرارات سياسية مدروسة ألف مرة ومحسوبة بالملي قبل ان ترضخ الدول العربية لنداءات الجماهير التي اذا سمحت لها الانظمة بالخروج لابداء نوع من المظاهرات بالمسيرات السلمية وتوقفت عن ذلك بقرار آخر، فبهذا الوضع لن يستقيم فالسياسة المطلوبة اليوم يجب ان تكون اكثر حكمة من اوقات السلم العام فالحذر الحذر ان يقع العرب في اخطاء سياسية كبرى لا تستطيع التراجع عنها ولو اعتذرت فليكن الغليان محسوبا وليس متروكا لها القيادة في السياسة.