البحوث الإدارية وغير الادارية تعاني دائما من فقر الطباعة والنشر والتوزيع، وعلى هذا الأساس تبقى لسنوات عجاف حبيسة أدراج المكاتب الفخمة والخزائن الراقية والديكورات الرائعة الجمال. جرب بنفسك أن تقدم ورقة علمية في أي من مجالات الحياة لغرض النشر في دورية ما أو فصلية تخص التخصص المرغوب المساهمة فيه بجدية وأمانة وإخلاص. فماذا يمكن لك أن تتوقع حدوثه بعد ان تسلم رقبة البحث الرصين الى من تعهد بنشره أدبياً ومادياً؟ تمر تلك الورقة البحثية في دورة تحكيم طويلة المدى والعمر ولابد أن يكون لأكثر من واحد حتى يتم ضبط المحتوى العلمي بمقاييس لا تعرف أولاً ولا آخر ولو كان ذلك البحث قد نال درجة علمية عالمية، الا ان المحكم العربي لابد وان يتفنن في عرض عضلاته الفكرية والعلمية ليثبت أنه أوقع العالم الغربي الذي أجاز نشر تلك الورقة كوثيقة علمية في الفخ. وقد يكون موضوع البحث مربوطاً بزمن لا يحتمل التأخير الكثير، أو ذات علاقة بقضية آنية آن الأوان لنشرها بأسرع وقت ممكن برجاء النفع في الوقت المناسب. ولكن مع ذلك، فإن مثل هذه الحالة غير كافية لإقناع اصحاب الحكم على البحث لسرعة البت في أي موضع ولو من باب الضرورة الواقعية، حتى لا يخرج العمل بعيداً عن حيثياته ومبرراته لعلاج المشكلات التي يتطرق إليها الباحث من الناحية النظرية والعملية أو الميدانية فإن كان المحكم أكثر من شخص فإن المسافة بينهم ستطول لأن اختلاف الرؤية البينية يأتي لغير صالح النشر وحتى يتم اتفاق كل اعضاء التحكيم على الحكم النهائي فإن الامور قد تخرج من اليد الواحدة وتضيع بين الايادي المختلفة فمن مجيز في ثناء ومتحفظ على استحياء ومتردد محتار في الوصول الى ما يرضي ضميره وعلميته المهنية وقد يأخذ كل هؤلاء عجلة الاستعجال لضيق الوقت فتجيز اللجنة كل ما يقع تحت يديها وان كان من نسج الخيال وحبكة القصص الطوال. وفي كثير من الأحيان اذا اختلف المحكمون في اجازة تلك الورقة، فإن على الباحث ان يخوض تجربة التعديل والتصحيح والاضافة أكثر من الوقت الذي اخذه الباحث في كتابة الورقة الاصلية. وبعد اتمام هذا المشوار بنجاح يكون الموسم قد انتهى وفصول الزمن قد طويت صفحاته لدورة بحثية أخرى قد يتغير اعضاء التحكيم وتدور الدائرة على رأس الباحث من جديد يخوض تجربة جديدة من البداية لإعادة كتابة البحث من الألف الى الياء وكأنه يريد بذلك نيل احدى جوائز نوبل في الآداب والعلوم. فهل خاض احدكم هذه التجربة المريرة وبعدها لم تشفع له ولم يسعفه التعب والحفر بين المصادر واستجداء المسئولين لتوفير معلومة مفيدة لاستكمال ما طولب به من قبل حكماء لجان التحكيم حتى ينال ميزة لم يكن يتصور انه سيحرم منها دون ان يملك وسيلة لاقناع الحريصين على عدم التفريط في أي معلومة يمكن ان تحقق النجاح لذلك الباحث سيئ الحظ الذي فكر أن ينشر بحثه بمكان ما في دنيا العرب.