سألني وفي عينيه جمرات غضب، وسخط على الصمت الذليل الذي نتلقى به اهانات ومجازر الإرهاب الاسرائيلي في المدن الفلسطينية، بالضفة وقطاع غزة، والحصار النازي للقيادة والرئاسة الفلسطينية: هل قرأت مقال الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في صحيفة «نيويورك تايمز» في 31 مارس الماضي والمعنون بـ «أكاذيب انتحارية»؟ قلت نعم، ووجدته أشبه بالقنابل الخداعية، مليء بالأكاذيب وينضح بحقد دفين على العرب، ومشحون بقوة تحريض ضدنا جميعاً، ويختص الفلسطينيين والمقاومة بالجانب الأعظم. قاطعني صديقي قائلا: أرأيت كيف يبرر هذا الكاتب لجرائم النازية الجديدة وللسفاح شارون، ويمجد مجازره ويشوه المقاومة، متجاهلاً ما قدمه له صناع قرارنا من مجد مجاني، حلّق به في فضاء الاعلام الامريكي، ووضعوه في الصف الأول للمعلقين والكتاب، بعد أن كانت شهرته ومصداقيته محدودة، تناسى فريدمان ان العرب جميعاً صادقوا بالإجماع على مبادرة السلام، التي كان أول من اختص بنشر ملامحها في عموده الأسبوعي. وواصل صديقي اطلاق حمم غضبه وأنا منصت، وتناسى فريدمان ان رد شارون ارهابي القرنين العشرين والحادي والعشرين جاء سريعاً ومبرمجاً على المبادرة العربية، فأحرق أغصان الزيتون بصواريخه وقذائفه في حرب إبادة مجنونة، تحول فيها القتل بدم بارد لكل فلسطيني واجباً يومياً، أو عادة يقتات بها جنود الجيش الاسرائيلي الذين سيكتب لهم التاريخ اسهامهم المذهل في تطوير عمليات الإرهاب المنظم، بشكل لم يخطر ببال كبار مجرمي الحرب عبر تاريخ البشرية. سألت صديقي مقاطعاً: لكن ألم تر أن أخطر أراجيف فريدمان واجتراءه علينا، يكمن في سعيه الضال لاستئصال قيمة الشهادة من عقولنا وقناعاتنا، وطمس كلمة الشهيد من قاموس لغتنا، وتحقير وتجريم أقدس واجب ديني ووطني، بقوله الرخيص ان العمليات الاستشهادية أو «الانتحارية» وفقاً لقاموسه، هي أخطر تهديد لحياة الأمريكيين، وللحضارة الانسانية، وينبغي سحقها. وافقني صديقي وأفاض: فعلاً، لقد لجأ فريدمان بخبث لتصوير الشهداء، على أنهم قتلة معادون للحضارة يستهينون بقيمة الحياة، لإدخال الرعب في قلوب الاسرائيليين، محرضاً شارون على سحق الشعب الفلسطيني ومقاومته، من أجل استمرار الحضارة، ومهدداً كل القادة العرب بأن أبواب واشنطن ستكون مغلقة في وجوههم، إذا سمحوا باستخدام كلمة «شهيد» في وصف منفذي العمليات الاستشهادية، غافلاً عن ذكر أي وصف يمكن أن ندمغ به مرتكبي المذابح من جنرالات اسرائيل وخصوصاً شارون سواء في صبرا وشاتيلا أو رام الله. قلت لصديقي، الادهى ان فريدمان متباهياً بتضليله وسطحيته في التحليل، يغفل عن حقيقة كون الاستشهادي يدفع حياته قانعاً من اجل هدف نبيل، وهو انقاذ حياة الملايين من العزل الابرياء، الذين ينتظرون دورهم في القتل بدم بارد علي يد سفاح لا يرتوي من دماء المذابح، ويوغل في وحشيته والشرعية تحت اقدامه طالما أن ابواق كفيله الدولي تغطي جرائمه. وكأنه يهزأ بالتاريخ، أو يتعامى عن الواقع، يقترح فريدمان علينا ان نجرب اسلوب الاحتجاج السلمي على طريقة المهاتما غاندي، وأن يصطحب كل فلسطيني ماعزاً ومنوالاً للغزل لقهر الآلة العسكرية الاسرائيلية، مثلما نجح غاندي في طرد الاحتلال البريطاني، رغم ان اسرائيل نموذج احتلالي لا مثيل له في التاريخ، وان بريطانيا العظمى لم تكن مدججة بعقيدة صهيونية ارهابية، تقنن القتل بدم بارد، ويعتبر آباؤها المؤسسون ان القتل دليل وجود، أي قتل الفلسطيني برهان على وجود الاسرائيلي. قال صديقي: لهذه الدرجة وصلت الاستهانة بالعقل، والتحريض على الارهاب المنظم، باسم الدفاع عن الحضارة، وحتى لو سلمنا فرضاً باسقاط حق المقاومة وقام كل فلسطيني بتجريب سلاح غاندي، فهل ستنجو الماعز من سكين فريدمان أو شارون؟ هذا إن توفرت أصلاً في مدن وقرى محاصرة بأرتال الدبابات ونفد منها القوت والماء وقطعت عنها كل وسائل الحياة.. وكفى الله العرب شر فريدمان وأمثاله.