كانت هناك واحة دافئة يفر اليها صلاح عبدالصبور مساء كل ثلاثاء، هي مكتب الصديق العزيز ـ رفيق تلمذته وعمره ـ فاروق خورشيد، خصوصا بعد أن أغلقت الجمعية الأدبية المصرية، أبواب مقرها الأخير في شارع عرابي، فانتقلت لقاءات أعضائها الأصلاء إلى مكتب فاروق خورشيد. وتعودنا أن نراه في هذا المكتب كل مساء، محاطا بهالة الحب من رفاق عمره: عزالدين اسماعيل وشكري عياد ومصطفى مندور وعوني عبدالرؤوف وأحمد كمال زكي وحسين نصار وعبدالرحمن فهمي وغيرهم من رفاق الحلم وأبناء الجيل الواحد. وكان يحضر هذا اللقاء عبدالقادر القط الذي كان أسن منهم. أما الشباب فكان يمثله حسن توفيق وأمل دنقل وجابر عصفور وأحمد مرسي ونصار عبدالله وغيرهم من الاجيال الجديدة التي انجذبت الى التوجهات العامة للجمعية الأدبية المصرية فكريا وابداعيا وسياسيا فيما أحسب. وكان ذلك يرجع الى أن أعضاء الجمعية ـ وعلى رأسهم صلاح ـ مثلوا الوسط الذهبي في التيارات الثقافية التي كانت تموج بها السبعينيات، فأغلبهم بدأ متعاطفا مع اليسار، متأثرا بالماركسية، على نحو ما فعل صلاح عبدالصبور نفسه، ولكنهم لم يحتملوا الصرامة الشيوعية والتطرف في الممارسة، فأبعدتهم عنها مواقفهم الطبقية وغلبة الميراث الليبرالي الذي تربوا عليه، فظلوا على يسار الليبرالية في مجملهم، بعيدين عن التطرف اليساري وعن التطرف اليميني في الوقت نفسه. وكان يوازي ذلك نزعتهم الانسانية التي جعلت صلاح ـ مثلا ـ ينفتح على الوجود، ومنها الى كل الفلسفات التي تعلي من شأن الإنسان، أو تجعله محورا للوجود أو الكون. وكان ذلك بعد عروج على نيتشة وشوبنهور والتزود منهما بما يؤكد التشاؤم، ولكن ما لا يتناقض والايمان بالإنسان. ولم يكن الانتماء القومي لأعضاء الجمعية يتناقض مع وعيهم بمصريتهم، فظلوا في الوسط ما بين غلاة القوميين الذين ينكرون جذورهم الاقليمية وغلاة الاقليميين الذين يتحدثون عن نقاء شبه عرقي في ثقافاتهم المحلية. ولعل الاهتمام بالأدب الشعبي علامة على هذه الوسطية التي أزالت الحاجز ما بين الاقليمي والقومي في وحدة المأثورات الشعبية التي كانت موازية لوحدة الثقافة العربية وبالقدر نفسه، كان الغالب على أعضاء الجمعية الأدبية المصرية الوسطية الأدبية المتحررة، والمتميزة بتسامحها، فكانوا اجمالا مع الجديد في الشعر، لكن ليس الى المدى الذي يدفعهم الى تبني قصيدة النثر أو القصيدة النثرية كما كان يسميها صلاح عبدالصبور، فرأوا فيها تطرفا لا يقل تعصبا عن تطرف المتحمسين للقصيدة العمودية، أولئك الذين فقدوا القدرة على تلمس نبض العصر. لكن هذه الوسطية لم تكن تقف موقف العداء حتى من قصيدة النثر، فقد كانت روح التسامح تغلب على صلاح عبدالصبور والقريبين منه، كما كانت هذه الروح تتسع آفاقها الرحيبة لتتقبل التجديد في أشكال القصة والرواية والمسرحية ما ظل هذا التجديد محافظا على النزعة العقلانية التي كانت أثيرة عند الجميع. وكان من الطبيعي ـ مع غلبة الوسطية المتحررة ـ ان يتناقص أغلب اعضاء الجمعية مع التوجهات السياسية للنظام الساداتي، وظلوا رافضين لتحالفه مع الاخوان المسلمين، مستريبين في تحوله العنيف الى الولايات المتحدة، رافضين اندفاعه الى سلام غير عادل مع اسرائيل، وتشجيعه النعرة المصرية الاقليمية التي لم تثمر سوى عزلة مصر عن محيطها العربي. وبقدر ما كانت هذه الوسطية السمحة تجذب أمثالي الى الجمعية الأدبية المصرية، حيث وجدت الرعاية والتشجيع، وأفدت أعظم الافادة ممن سبقني، كانت هذه الوسطية نفسها هي سر استمرار الرابطة الحميمة التي ظلت تجمع بين أصدقاء عمر لعقود متتابعة دون خلل. وقد ظل فاروق خورشيد يقوم بدور القوة الفاعلة في التنظيم والتجميع، خصوصا بعد أن أطاح به انقلاب مايو الساداتي من منصب مدير اذاعة الشعب الذي كان يشغله، كما ظل صلاح عبدالصبور الصوت الابداعي الأول بلا منافس في مجال الشعر، كما ظل عزالدين اسماعيل الصوت الموازي نقديا، الصوت الذي كان يدفع صلاح الى تسمية صاحب (الناقد جهير الصوت) وبالطبع، كان عبدالغفار مكاوي يكمل الصورة في العلاقة بالأدب العالمي، بينما كان حسين نصار يكملها في البعد التراثي، ومحمود ذهني يكملها مع فاروق خورشيد في الاهتمام بالتراث الشعبي، وعبدالرحمن فهمي في دنيا القصة، مع أحمد كمال زكي الذي نحا منحى قريبا من المنحى الأسطوري في النقد، وذلك على نحو دعم بنية التنوع الخلاق التي كان صلاح عبدالصبور مركزها ومحورها الاساسي. وكانت متعتي الخاصة في الجمعية الأدبية المصرية تصل ذروتها عندما يعتدل مزاج صلاح عبدالصبور الشعري، ويغلبه الشعر على أمره، فيدفعه الى القاء قصائده علينا، والاندماج في ذلك الى درجة تشبه درجة الفناء في أحوال الصوفية. وكنا نطلب النوال. وكان يحب العطاء فيلقي من الذاكرة قصائده التي كانت تحيط بنا، فتندي العيون ويلمع فيها الحنين الى فردوس مستعاد، أو تنفر العروق وتمتلئ الملامح بالأسى أو الغضب حسب مدارات القصائد وعوالمها. أما الحوار الثقافي، فكان صلاح فارسا لا نظير له، حدوسه تفتح آفاقا مغلقة، ونظراته الباهرة لا تقل جذبا للعقول عن معارفه المذهلة. وكان الحوار يبدأ وينتهي بأزمة النقد في أحوال كثيرة، خصوصا مع نهاية السبعينيات، وكان صلاح عبدالصبور يحدثنا عن حلم قديم له، سمعته منه حين كان رئيسا لتحرير (الكاتب) حلم أن توجد مجلة نقدية متخصصة، تؤدي دور المدفعية الثقيلة في الحياة النقدية، فتتولى تأصيل المفاهيم، وتقديم المدارس والنظريات تقديما عميقا أصيلا، وتفتح أبواب الحوار بين المدارس النقدية المختلفة، وتجعل من المعاصرة الوجه الآخر من الاصالة، فتصل الحاضر الأدبي بتراثه، كما تصل الحاضر بموازياته على امتداد الدنيا بأسرها. وقد أكدت رئاسة صلاح لهيئة الكتاب بهذا الحلم في داخله، فأخرجته من حيز الحلم الى أرض الواقع. وعرض صلاح على صديقه عزالدين اسماعيل أن يرأس تحرير هذه المجلة التي لابد أن تكون فصلية، كما عرض علي ـ بترحيب من عزالدين اسماعيل ـ أن أعاون في تحرير هذه المجلة. وتتابعت اللقاءات والحوارات التي ضمت صلاح فضل الذي كان قد عاد من الخارج، ونشر كتابيه المهمين عن (النظرية البنائية) سنة 1987 عن مكتبة الأنجلو المصرية و(منهج الواقعية في الابداع الأدبي) عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1978.