أجمع المراقبون على اعتبار قمة بيروت العربية العادية التي انعقدت أواخر الشهر الماضي في العاصمة اللبنانية احدى أنجح المحاولات على صعيد العمل العربي المشترك، على الرغم من الشوائب العديدة التي رافقتها. عامل النجاح الأول للقمة تمثل بتكريس انعقادها الدوري بعد قمة عمان الأولى العام الماضي، بما يؤكد الجانب المؤسسي فيها من جهة، وبما يلبي الحاجة الملحة لتعزيز العمل العربي المشترك والتغلب على الانقسامات وحالة التشرذم القائمة من جهة أخرى. فقد بدا لبعض الوقت ان القمة مهددة بالتأجيل لأسباب غير مفهومة، برغم ان الظروف العربية المالية، لاسيما ما يخص الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك التهديدات العدوانية التي تستهدف اكثر من دولة عربية، خصوصا العراق، تتطلب مشاورات عربية عاجلة وقرارات ترقى الى مستوى التحديات الراهنة. وفضلا عن ان معظم الحكومات العربية تفضل الاتصالات الثنائية والاتفاقات المحدودة فيما بينها، فهي مازالت تفتقر الى تقاليد القمم الدورية التي تعقد في صورة آلية، ومن دون شرط الاتفاق المسبق على كل القضايا المدرجة على جدول الأعمال، كما هو الحال بالنسبة لقادة دول الاتحاد الاوروبي الخمس عشرة على سبيل المثال. فهؤلاء يعقدون اجتماعات دورية مقررة كما يلتقون أكثر من مرة سنويا في قمم طارئة تفرضها قضايا وأحداث معينة. وثمة اختلافات كبيرة في وجهات النظر بين الحكومات الاوروبية في شأن الكثير من القضايا المشتركة، وهذا أمر منطقي وعادي جدا بالنسبة لهم، ولكن ذلك لم يحل ـ في أي وقت من الأوقات ـ دون عقد قمة دورية، أو دون الدعوة الى اجتماع طاريء، فالخوف من الفشل لا يشكل قيدا على الاجتماعات، أو على كيفية تناول القضايا المطروحة، فالجميع مقتنعون ومتفقون على ان «الاجماع» ليس أمرا ضروريا أو مفروضا على أحد، لاسيما وان هناك آلية معينة تحكم عملية اتخاذ القرارات وتنفيذها. إن نجاح القمة العربية الأخيرة يشجع على القول بضرورة عقد اجتماعين عربيين على هذا المستوى سنويا، وسيكون من شأن ذلك تجنب مراكمة المشاكل العالقة من ناحية، واعطاء مزيد من الوقت لمناقشة القضايا المعروضة من ناحية اخرى. وهناك قضايا عديدة تتصل بالتكامل الاقتصادي العربي لم يجر بحثها منذ وقت طويل، ومن الممكن تخصيص احدى القمتين الدوريتين لمناقشة القضايا الاقتصادية المهمة واقرارها. ويلاحظ من خلال استعراض جدول أعمال القمة الأخيرة وبيانها الختامي، وكذلك القضايا التي نوقشت من خارج جدول الأعمال، إن الوقت الذي خصص لاستعراض هذه الأمور وانجازها كلها، كان قصيرا جدا بالقياس الى ما تحتاجه بالفعل، الأمر الذي يقلل من مقدار الجدية التي ينظر بها أبناء الأمة العربية الى مثل هذه اللقاءات بحيث يبدو الأمر وكأنه نوع من «رفع العتب» ليس إلا. الاختراق المفاجيء النتيجة الايجابية الثانية للقمة تمثلت في الاختراق المفاجيء الذي حدث في موضوع «الحالة بين العراق والكويت»، بعدما ظهرت المشاورات والمناقشات الأولية ان الجانبين مازالا على طرفي نقيض. وأياً تكن دوافع القيادة العراقية لإعلان تعهداتها الجديدة حيال الكويت، والتي كانت ترفضها سابقا (كما جرى في قمة عمان السابقة العام الماضي)، فإن ما حدث في قمة بيروت ونتيجة للأجواء الايجابية التي سادتها في صورة عامة، يمكن ان يشكل مقدمة لاستعادة التضامن العربي الشامل، المفقود، إذا لم تتدخل قوى خارجية، خصوصا الولايات المتحدة لمنع هذا التفاهم المبدئي من ان يتطور ويتحول الى حالة اقليمية وعربية جديدة، فعليا، تزيل الآثار السلبية لحرب الخليج الثانية. فالادارة الامريكية لا تنظر بارتياح الى أي تفاهم بين الدول العربية، فضلاً عن انها تهدد منذ بعض الوقت بتوجيه حملة عسكرية ضد العراق، وهي تسعى بقوة لحمل دول المنطقة على مساندتها في هذه الحملة. ويلاحظ ان رد الفعل الامريكي الأولي على ما حدث في قمة بيروت كان التشكيك بالتزام القيادة العراقية بتعهداتها المعلنة، ثم مواصلة التحريض على هذا البلد العربي تحت ذريعة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. والهدف من ذلك، كما هو واضح، الحؤول دون تطوير هذا التفاهم المبدئي الى استئناف العلاقات العادية بين الدول المعنية في الوقت الذي تشجع واشنطن على تطبيع العلاقات العربية مع اسرائيل. المبادرة العربية النتيجة الايجابية الثالثة لقمة بيروت تمثلت بتبني مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز الخاصة بانهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وتحويلها الى مبادرة سلام عربية. ويشار في هذا المجال الى ان العراق، الذي كان يعارض دائما أية تسوية سلمية مع اسرائيل، شارك هو الآخر في تبني هذه المبادرة، بما أدى الى اقرارها بالاجماع. وبالرغم من ان المبادرة الجديدة استندت الى مباديء مؤتمر مدريد للتسوية السلمية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن الشهير 424 والقرار 338، وقاعدة «الأرض مقابل السلام»، إلا انها جاءت أكثر شمولا وتحديدا، حيث نصت على الانسحاب الاسرائيلي الشامل من جميع الأراضي العربية المحتلة حتى حدود 4 يونيو 1967، وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية، والتوصل الى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. ومقابل ذلك يقوم سلام شامل بين الدول العربية واسرائيل يكون من نتيجته انشاء علاقات طبيعية مع الدولة العبرية. على ان هذه الخطوة العربية المتقدمة لا تعني ان السلام في المنطقة أصبح قريب المنال. فالوضع في المنطقة ظل متفجرا على الدوام ليس لأن الدول العربية لم تكن تريد السلام أو تسعى اليه، بل لأن اسرائيل بقيت متمسكة بسياستها القائمة على العدوان والتوسع، وتجاهل القرارات والدعوات الدولية المتكررة للاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وتمكينه من اقامة دولته المستقلة. ولم يكن لذلك ان يحدث، وللاحتلال الاسرائيلي ان يدوم، لولا التأييد الثابت والدعم المادي والسياسي الكبير الذي تمنحه الولايات المتحدة للدولة العبرية من دون أي تحفظ أو مساءلة. وفضلا عن التجربة الفاشلة لاتفاقات أوسلو السلمية على مدى السنوات العشر الماضية، فقد سبق لسوريا، الدولة العربية الأكثر تشددا حيال اسرائيل، ان أعلنت ـ على لسان رئيسها الراحل حافظ الأسد ـ استعدادها لاقامة علاقات سلام عادية مع اسرائيل إن انسحبت من الأراضي العربية المحتلة حتى حدود الرابع من يونيو 1967. لكن الدولة العبرية ظلت متمسكة بنهجها القائم على المطالبة بالسلام.. والاحتفاظ بالأرض المحتلة في آن معاً. وكانت النتيجة الطبيعية لكل ذلك ما شهدته الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ تفجر الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر عام 2000، ثم تصاعد العدوان الاسرائيلي، وردود الفعل الفلسطينية الشعبية على النحو الراهن. الرد الاسرائيلي ماذا كان جواب الحكومة الاسرائيلية على مبادرة السلام العربية الجديدة؟ لم يكتف شارون برفض المبادرة العربية فحسب ـ بذريعة ان الانسحاب الى حدود الرابع من يونيو يؤدي الى تدمير اسرائيل ـ بل هو تعمّد دفع الأمور في الأراضي الفلسطينية المحتلة الى مأزق جديد من خلال اجتياح قواته المدن الفلسطينية وارتكاب مجازر جماعية بحق الفلسطينيين، والتعرض لموقع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ولمكانته وتهديد حياته مباشرة ومحاولة اجباره على مغادرة الأراضي الفلسطينية جميعا، قيادة وشعبا، على الاستسلام الكامل والقبول بكل ما تفرضه عليهم حكومة شارون: وقف اطلاق النار دون قيد أو شرط، ومن دون فتح أي افق سياسي أمامهم. كذلك، فإن الادارة الامريكية التي شددت على أهمية اقرار مبادرة السلام العربية الجديدة، قبل انعقاد قمة بيروت، اتخذت بعد ذلك موقفا مماثلا لموقف الحكومة الاسرائيلية، فهي اعتبرت «خطة تينيت» الأمنية المدخل الوحيد لمبادرة السلام العربية. كما أعلن الرئيس الامريكي جورج بوش تأييده الكامل للاجتياح الاسرائيلي للمدن الفلسطينية، وذلك عبر تأكيده ان اسرائيل «تدافع عن نفسها في مواجهة الارهاب»، متجاهلا كليا موضوع الاحتلال الاسرائيلي وسياسة شارون العدوانية وكل أعمال القتل والتدمير والحصار والاذلال التي تمارس يوميا ضد الشعب الفلسطيني. وقد بدا التنسيق الامريكي ـ الاسرائيلي كاملا، ليس من خلال هذه المواقف المعيبة للادارة الامريكية، بل وايضاً عبر الدور الذي يمارسه المبعوث الأمريكي انتوني زيني حيث يطالب القيادة الفلسطينية بالموافقة على الشروط الاسرائيلية. وهو أعد في هذا الشأن وثيقة جديدة جاهزة للتوقيع تضاف الى الوثائق الامريكية الاخرى السابقة والتي تهدف جميعها الى محاصرة الموقف الفلسطيني وانهاء الانتفاضة الشعبية بالدرجة الأولى. ومن الملاحظ ان الدور الذي يلعبه الجنرال زيني يشبه الى حد كبير الدور الذي لعبه الدبلوماسي الامريكي (الراحل) فيليب حبيب خلال الغزو الاسرائيلي لبيروت عام 1982، عندما كان يتنقل بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي الى ان تمكن أخيرا من اعداد الوثيقة النهائية لخروج ياسر عرفات وقوات المقاومة الفلسطينية من لبنان. وعلى ذلك فإن المطلوب الآن من قيادة السلطة الفلسطينية ـ اسرائيلياً وامريكياً ـ أحد أمرين: إما التوقيع على الاستسلام لشارون، وبالتالي اعادة تثبيت الاحتلال الاسرائيلي ومنحه «شرعية» جديدة، وإما تصفية القيادة الفلسطينية أو ترحيلها ثانية الى الخارج، ثم إعادة احتلال الأراضي الفلسطينية جميعها. وفي حين ترابط قوات شارون أمام مكتب ياسر عرفات، يرابط الجنرال أنتوني زيني في فندقه الاسرائيلي بانتظار ان تتصل به القيادة الفلسطينية معلنة استسلامها! ـ كاتب لبناني