على خلفية الفوران المتصاعد في الشارع العربي تأتي دعوة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة الى اجتماع وزاري عربي لبحث تفعيل المقاطعة العربية لاسرائيل، لترتفع بالفعل الرسمي العربي في ظروف بالغة الحدة إلى اعلى مستوى من الجدية. فهل تتجاوب الدول العربية مع هذه الدعوة المتفردة بما تتطلب من نوايا جدية؟ وهل تعتبر مجموعة الدول العربية والاسلامية هذه الخطوة العظيمة فاتحة لسلسلة من خطوات اخرى في اتجاه ردع الوحشية الاسرائيلية في مواجهة الشعب الفلسطيني ورئيسه؟ ان تفعيل المقاطعة العربية لاسرائيل، لو اخذ بما يتطلب من فعل شمولي وحازم، سلاح عربي لاشك في مضائه ومردوده. وفي الحقيقة فان من اقوى الدواعي التي جعلت الطبقة الحاكمة في اسرائيل لاتكترت بردود الفعل العربية على المستوى الحكومي خلال العقد الاخير بالذات موات نهج المقاطعة. لقد حرصت اسرائيل بمجرد انفتاح باب التصالح مع العرب في عام 1993 بدخول منظمة التحرير الفلسطينية للمرة الاولى في تاريخ الصراع في معاهدة سلام مع خصمها المصيري وما تلا ذلك من معاهدة مماثلة للاردن وتصالحات على مستويات متفاوتة لاطراف عربية اخرى على وضع نهاية للمقاطعة الاقتصادية والتجارية العربية التي كانت سارية المفعول لمدى نصف قرن تقريباً. وهنا دخلت الولايات المتحدة على الخط، وقد ارتفعت اسهمها السياسية الى اعلى ذروة على الصعيد العربي في اعقاب حرب الخليج الثانية لتدعم الهدف الاسرائيلي بضغوط شديدة على العرب. وكانت النتيجة الرسمية الغاء جزئياً للمقاطعة العربية. اما من ناحية الواقع التطبيقي فقد كان الالغاء كاملا. لقد رأينا كيف احتفلت الشركات متعددة الجنسية التي كانت الاسواق العربية جميعا مغلقة في وجهها بسبب تعاملها مع اسرائيل بعد ان رفعت الحواجز العربية. ورأينا كيف فتحت اسواق عربية للشركات الاسرائيلية نفسها. ثم رأينا كيف اتخذت الشركات الاسرائيلية وجودها القانوني في الدول التي اعترفت باسرائيل كقاعدة لغزو الاسواق العربية الاخرى بفيض من السلع الاسرائيلية المنشأ، بعد التمويه عليها بملصقات وعلامات عربية. لقد آن الأوان لوضع نهاية حاسمة لهذا كله. هذه هي الرسالة النبيلة التي تحملها دعوة صاحب السمو الشيخ زايد الى اجتماع عربي لرد الاعتبار الكامل الى نظام المقاطعة العربية لاسرائيل. لقد وجه صاحب السمو الشيخ زايد الدعوة الى اجتماع طاريء على المستوى الوزاري للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي للنظر في جدول اعمال يتكون من بند واحد: تفعيل المقاطعة ومن المفترض الا يواجه هذا الاجتماع اي صعوبة في مداولاته وقراراته. فمن الناحية الموضوعية فان استثنائية عقد هذا الاجتماع تنبع من استثنائية الظرف السياسي الذي تواجهه الامة العربية ويكابده نيابة عنها على خط النار الشعب الفلسطيني الشقيق. فقد بات ثابتاً ان الحرب الضروس التي يشنها الجيش الاسرائيلي ضد هذا الشعب وقيادته تستهدف كسر شوكة المقاومة الشعبية المسلمة تمهيداً لعملية إبادة شاملة. اما من الناحية الاجرائية فان القوائم السوداء جاهزة لدى مكتب مقاطعة اسرائيل الذي يتخذ من دمشق مقراً رئيسيا له. هي قوائم الشركات الاسرائيلية جنبا الى جنب مع قوائم الشركات العالمية ـ في اوروبا والولايات المتحدة واليابان وغيرها ـ التي تتعامل مع السوق الاسرائيلية والاسواق العربية معاً. وربما يكون مطلوبا تنقيح بعض هذه القوائم باضافة اسماء شركات جديدة. فهل ترتقي الدول العربية جميعا الى مستوى متطلبات هذا الظرف الحرج؟ ربما تتذرع دول عربية بأنها ملتزمة بمعاهدات سلام مع اسرائيل. لكن التطورات الجسيمة والتي تتضاعف جسامتها يومياً في الارض الفلسطينية المحتلة بما ينذر بالثبور وعظائم الامور خلفت وراءها صلاحية مثل هذه المعايير. فالفوران الجماهيري المتعاظم في شوارع العواصم العربية يطالب بقطع اي علاقات مع الدولة اليهودية الاجرامية. لقد آن الأوان حقاً لوضع حد عربي لحالة عدم الاكتراث الاسرائيلي.