مع السنوات الحالية الأولى من هذا القرن الحادي والعشرين يرتفع شعار مهم تجسده عبارة تقول: ـ محو الأمية.. العلمية. ويقصد الشعار الى نشر الوعي العام بموارد كوكب الأرض وامكاناته وآفاق هذه الامكانات والموارد في مستقبل الأيام. ولأنه شعار يحمل لفظ العلمية فهو يدعو الى أن يكون هذا الوعي العالمي قائما على أساس المعرفة الموضوعية التي لا تتلون حسب الانتماءات القطرية أو التكتلات الدولية أو المشارب العقائدية أو الاتجاهات السياسية. ثم أنه يركز ـ كما ألمحنا ـ على جانب الموارد والامكانات المادية المتاحة أمام تصرف العالم المعاصر، على اختلاف دوله وشعوبه .. ولأنها مادية فهي قابلة بحكم التعريف للحساب والتقدير والتنبؤ والتوقعات مما يجعل هذه الحسابات قائمة على أساس واقعي لا تخضع للأحلام الوردية ولا التصورات الطوباوية، بقدر ما أنها تستند الى رشد التفكير وقدرة الأرقام على الافصاح عن الحقيقة. كشف حساب الطاقة وفي مقدمة هذه الموارد التي ما برح العلماء والمفكرون مشغولين بجردها ومراجعة المؤشرات الدالة عليها ـ موارد الطاقة التي يمتلكها عالمنا وهي موارد تكتسب أهميتها العمومية في رأينا ـ من واقع أهميتها الجوهرية بالنسبة لمستقبل تقدم الحضارة الانسانية في هذا العصر، فيما تكتسي أهمية خصوصية بالنسبة لنا نحن العرب بحكم المكانة التي تتمتع بها منطقتنا ـ الشرق الأوسط ـ في مجال انتاج النفط والغاز الطبيعي من جهة، ثم بحكم تطلعنا ـ نحن شعوب المنطقة العربية ومشرق وطننا الكبير ومغربه ـ الى تطوير حياتنا بالتنمية والارتقاء بمستوى معيشة شعوبنا تحقيقا لآمالنا وتلبية لطموحات أجيال جديدة لابد أن ترتقي الى مستوى الحياة ونوعية الحياة مع سنوات القرن الحافل الجديد من جهة أخرى. ومن المعروف أن كوكب الأرض موهوب ـ بحمد الله تعالى ومنته ـ بفرعين أساسيين من موارد الطاقة. ـ الأول وهو موارد الطاقة المستخرجة من كوامن باطن الأرض أو من قاع البحر المحيط ـ الوقود الأحفوري كما يسمونه وفي مقدمة أنواعه الفحم ثم النفط والغاز الطبيعي. ـ الثاني: وهو تدفقات الطاقة المتجددة التي تنجم عن التفاعلات الحرارية ـ النووية للشمس فضلا عما تولده الحرارة الداخلية لكوكب الأرض. الفحم ملكا وفي تسعينيات القرن التاسع عشر ـ يعني منذ أكثر من 110 من السنوات ـ كان الفحم هو الملك المتوج ـ إن جاز التعبير من أنواع المحروقات الوقودية الصلبة وكان بهذا يتفوق بالطبع على محروقات الكتلة الاحيائية (بيوماس) التي كانت تتألف ـ كما لعلك تعرف ـ أساسا من حطب الغابة وخشب الوقود ومخلفات المحاصيل الزراعية ولكن، لأن دوام الحال من المحال، ولأن الأيام دول فقد جاء الحين من الدهر الذي دالت فيه دولة الفحم مع سنوات الثلث أو النصف الأول من القرن العشرين ـ وكان ذلك لصالح النفط ـ الملك المتوج الجديد على عرش موارد الطاقة التي تعرف عالميا برمزها المختصر (تبيس) وهو مصطلح دال على منظومة الطاقة التي يستخدمها الانسان في عصرنا شاملة في ذلك جميع أنواع الوقود التجارية سواء الناجمة عن عمليات الاستخراج أو عن عمليات التوليد وهو ما يشمل بدوره الطاقة الكهرومائية ـ من المساقط المائية والطاقة النووية والريحية والشمسية فضلا عن الطاقة الحرارية الأرضية. وعندما أزيح الفحم ـ بجلالة قدره ـ عن عرشه السابق أصبح لا يشكل سوى نسبة 25 في المئة من مجموع امدادات الطاقة العالمية وبلغ هذا التغير، أو التسيد النفطي ذروته في عقد السبعينيات الماضي ومن يومها بات النفط يشكل نحو 40 في المئة من منظومة الوقود العالمية الاحصاءات مستقاة من أحدث أعداد مجلة كرنت هستوري الأمريكية ـ عدد مارس 2002 ومحوره موضوع: (سياسة الطاقة). والغاز أيضا ثم يأتي دور بل ومكانة موارد الغاز الطبيعي الذي يشق طريقه الى الأهمية والجدارة ولكن على استحياء كما قد نقول لأن امداداته صعبة ومكلفة في عمليات النقل إذا ما قورن بعمليات نقل النفط السائل عبر خطوط الأنابيب وإن كانت هذه السلبية تعادلها حقيقة أن الغاز الطبيعي مورد نظيف في عمليات الاحتراق الداخلي ومن ثم فهو من أصلح ما يكون ـ كما تؤكد الدراسات المنشورة في المطبوعة الأمريكية التي أحلنا اليها آنفا ـ للاستخدام في تدفئة الأماكن فضلا عن التوسع مؤخرا في استخدامه في عمليات توليد الكهرباء ولدرجة أصبح الغاز الطبيعي يشكل معها نحو 25 في المئة من مجمل موارد الطاقة التي يستخدمها عالم اليوم. والحاصل أن أنواع الوقود الأحفوري ـ المستخرج من باطن الأرض ـ تحتوي في التحليل الأخير على عناصر ذات أصول نباتية وحيوانية تراكمت وتكلست وتحولت عبر ملايين السنين ومن ثم فهي ذات محتوى كبريتي يزيد في حالة الفحم ويقل في حالة النفط والغاز الطبيعي وفي حالة استخدام هذه المحروقات الأحفورية تفضي عمليات الاحتراق الداخلي الى انبعاثات كبريتية، ينجم عنها اطلاق مواد حمضية ذات آثار وخيمة على بيئة النبات وموارد المياه وحياة الحيوان في البر والبحر ولاسيما في أمريكا الشمالية (بما في ذلك كندا) وفي غربي أوروبا وشرق آسيا. بيد أن أكسدة عناصر الكربون وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون من تلك المحروقات أدى ـ كما تكاد تجمع جمهرة من علماء البيئة والأرصاد ـ الى ظاهرة الاحتباس الحراري التي رفعت درجة حرارة كوكبنا في السنوات الأخيرة .. وفي هذا السياق بالذات تقول الدراسات المنشورة في مجلة «كرنت هستوري». ـ إن المحتوى الكربوني في وقود الفحم يصل الى نحو 85 في المئة، ولكنه يتراوح في النفط الخام بين 87 و84 في المئة فيما يقل في الغاز الطبيعي الى 75 في المئة، مما يجعل الغاز هو الأفضل إذ تتولد عن احتراقه أقل كمية نسبية من ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة يتم اطلاقها من الطاقة المتولدة. احتياطيات وامكانات في ضوء هذه الصورة ونظن أن أبعادها معروفة جيدا للمتخصصين ـ يبدأ العلماء في بناء التقديرات أو فلنقل رسم السيناريوهات التي تقوم على اساس ركيزتين وهما: (1) الاحتياطيات. (2) الامكانات (الموارد). وفي مجال تعريف الاحتياطيات يقول عالم اختصاصي بارز هو البروفيسور «فاكلاف سميل» في كتاب قيد الصدور حاليا بعنوان «الطاقة عند مفترق الطرق»: ـ إذا كانت الموارد هي مجموع ما تختزنه القشرة الأرضية من معدن ما ـ فإن الاحتياطي هو تلك الأنصبة التي تم اكتشافها من مجموع الموارد، التي يمكن استخراجها باستخدام التقنيات المتاحة بالفعل وبتكلفة مقبولة. ومن ثم فإن احراز أوجه تقدم من حيث عمليات الاستكشاف أو التنقيب والاستخراج يؤدي باستمرار الى نقل المعادن ذات الصلة من فئة الموارد العمومية شبه المجهولة أو القاصرة التحديد الى فئة حصيلة الموارد المتاحة للاستخدام والمعنى ـ يضيف البروفيسور فاكلاف سميل هو أن الموارد تنتمي الى الحاضر المعاش فيما تدخل الاحتياطيات تحت طائلة المستقبل المنظور والذي يحول دون النقل من خانة الاحتياطي الى خانة المورد الفعلي ـ من فئة المتوقع الى فئة الممكن أو المتاح عوامل شتى في مقدمتها ارتفاع تكاليف الاستخراج أو فداحة العواقب البيئية التي يمكن أن تنجم عن هذا الاستخراج أو توقع نتائج اجتماعية سلبية يؤدي اليها. وبالنسبة لموارد الفحم يوضح الأستاذ فاكلاف أن المتاح منها يقدر بحد أقصى يبلغ 11 تريليون طن وبحد أدنى يقدر بنحو 6 تريليون طن ومن ثم يقدر العلماء أن يتواصل استخدام الفحم عبر فترة زمنية تصل في رأيهم الى 230 سنة في حين أن الفترة الزمنية المقدرة في حالة الغاز الطبيعي تبلغ نحو 80 سنة فيما تقدر فترة النفط الخام الزمنية بنحو 60 سنة. أرقام وحظوظ أما على مستوى الدول تحديدا فتقول الدراسة التي نحيل اليها من مجلة كرنت هستوري وكذلك من كتاب «الطاقة عند مفترق الطرق». ـ في حالة الفحم توجد خمس دول في العالم تحظى بأكبر الاحتياطيات وهي: أمريكا وروسيا والصين واستراليا والمانيا وتلك الدول تشكل فيما بينها نحو 69 في المئة من احتياطيات الفحم في العالم. ـ وفي حالة الغاز الطبيعي توجد خمس دول في العالم أيضا وهبها الله تبارك وتعالى أكبر الاحتياطيات وهي على توالي الترتيب من حيث الحجم: روسيا وايران وقطر والعربية السعودية ثم الامارات العربية المتحدة. ـ وفي حالة النفط تحظى منطقة الشرق الأوسط بنسبة تقارب 64 في المئة (أكثر من الثلثين) من الاحتياطيات النفطية في العالم كله فيما يحظى بنحو 35 في المئة من الاحتياطيات العالمية من الغاز الطبيعي والحاصل أن عمليات التنبؤ المهني وحتى العلمي التي تعرضت لها مجالات استكشاف وتعدين ومن ثم انتاج وتسويق هذه الموارد اللازمة حيويا لأغراض التطور والحضارة الانسانية تعرضت لما أصبح يسميه الاختصاصيون باسم منظورات كاساندرا. ـ فمن هو.. أو من هي كاساندرا هذه؟ ـ الاسم مستقى من حوليات الميثولوجيا عند اليونان الأقدمين ـ كانت تحمل الفتاة، أو السيدة كاسندرا في بلاد طروادة التي دخلت في حربها الشهيرة مع اليونان وتناولتها من ثم أشعار هوميروس في ملحمة «الإلياذة» كاسندرا كانت مشهورة باطلاقها تنبؤات تجمع بين التحذير والنذير .. والمشكلة أن لم يكن القوم يلقون بالا الى تحذيراتها من أخطار كانت تستبق وقوعها ومن ثم اشتهر ذكرها في التاريخ على أنها صاحبة نظرات التنبؤ المتشائمة وربما المنذرة (بكسر الذال) التي تحذر من التهاون أو التساهل أو الاستسلام الى خدر التفاؤل المريح أو اللذيذ. ومنظورات كاسندرا إذن هي تلك التحذيرات المهددة بالويل والثبور التي تصدر عن أكثر من فريق من العلماء أو الاختصاصيين ممن يحذرون الأوساط العالمية من أن موارد العالم من الطاقة هي الى نفاد سريع وأن العالم موشك على هاوية رهيبة من الجدب والفاقة والمسغبة المعدنية. أخطاء كاسندرا ومن عجب أن كثيرا من الدراسات الرصينة أثبت في فترات سبقت أن تلك التحذيرات ـ أن منظورات كاسندرا كما وضعناها ـ لم تثبت صحتها بل أن بعضها قام على أسس سياسية بمعنى تحقيق أغراض سياسية تعمد الى التهوين من شأن ظاهرة ما أو الى التهويل من خطر ظاهرة أخرى. يضربون في هذا السياق مثلا مما شهده عام 1979 حين أصدرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي.آي.ايه) تحذيرها ـ الكاسندري كما قد نسميه ـ الذي قالت فيه: «إن ناتج العالم الاجمالي من النفط جدير بالنفاد والنضوب خلال سنوات عقد واحد آت لا محالة». والسؤال المطروح هو: ـ ثم ماذا حدث؟ والاجابة من الدراسة التي بين أيدينا ـ وهي كما ألمحنا أمريكية بدورها وهي تقول بالحرف: ها نحن في هذه المرحلة وقد ارتفع الناتج العالمي من النفط بنسبة 10 في المئة بأكثر مما كان عليه الحال عام 1979 وبأرقام توضيحية أخرى تقول الدراسة: ـ إن هيئة المساحة الجيولوجية في الولايات المتحدة خلصت مؤخرا وبصورة أكثر واقعية الى أن مجموع كميات النفط غير المكتشفة وكذلك الاحتياطيات النفطية المطروحة قيد الاكتشاف فضلا عن كميات الانتاج التراكمية في عام 2000 تزيد بنسبة 20 في المئة عن التقديرات التي كانت قد اعتمدتها في السابق الهيئة الأمريكية المذكورة (تزيد أيضا بنسبة 72 في المئة عن تقديرات التشاؤم ـ كاسندرا ـ التي قال بها فريق من العلماء العاملين في هذا المجال). المصادر المحبوسة واذا كان الحديث عن مصدري النفط والغاز الطبيعي، ومن قبلهما الفحم ـ هو حديث بالضرورة عن مصادر تقليدية للطاقة الكربونية اللازمة للانسان والحضارة، فإن ثمة تفاؤلا يستند الى أسس علمية تقول بأن هناك مصادر غير تقليدية لتلك الطاقة الكربونية ويقصد بها كميات النفط والغاز التي ما زالت مودعة ـ هل نقول محجوزة أو محبوسة ـ في الرمال القارية أو القيرية وفي أحجار الطفلة (بفتح الطاء) النفطية وبالمناسبة فالرمال القيرية يجري بالفعل استغلالها نفطيا وتجاريا في بلدان متقدمة يأتي في صدارتها كندا وفنزويلا على أن فريق المتفائلين لا يقفون عند هذا الحد بل هم يشيرون الى احتمالات مرجحة لزيادة حجم ما يملكه الانسان في كوكب الأرض من نواتج وموارد واحتياطيات من امكانات النفط والغاز وخاصة من خلال جهود شتى تستند الى أحدث أساليب التكنولوجيا التي توصل بدورها الى مزيد من الكفاءة (بمعنى الاقتصاد والتوفير والترشيد) في استخدام كميات النفط والغاز، فضلا عن محاولات الاحلال التي يمكن أن توصل الى بدائل يستعاض بها عن الافراط في استخدام هذين المصدرين بما يحول دون الوصول بهما الى مستوى الاهدار ناهيك عن النضوب. التحولات والحضارة هناك أيضا ما يسميه الدارسون باسم عمليات التحول أو (الانتقال) وتعني التحول من استخدام لمادة معينة في حقب زمنية معينة وفي ظل ثقافة سائدة معينة الى مادة أخرى .. وليس لنا أن نستهين بعمليات التحول هذه لأن كلا منها جاء علامة على انتقال الحضارة الانسانية من طور معين الى طور جديد .. تأمل مثلا تحول البشر من استخدام الكتلة الاحيائية حطب الغابة والنفايات العضوية كمحروقات الى حيث استخدام الفحم ومن ثم طاقة البخار وقد كان ذلك فاتحة الثورة الصناعية التي بزغت منذ القرن الثامن عشر ثم حفل القرن التاسع عشر بما أفضت اليه من تحولات جذرية في ثقافة البشر وأساليب حياتهم وطرائق ابداعهم وهياكل مجتمعاتهم ويصدق المثال نفسه على التحولات الكمية والنوعية التي شهدتها الحياة البشرية الحديثة والمعاصرة عند الانتقال من سطوة الفحم الى غلبة النفط ومن ثم الى شيوع الغاز الطبيعي. مع ذلك، فكل المصادر السابقة مصادر تقليدية للطاقة .. ورغم أن سيناريوهات التقدير المتفائلة تبعث على الاطمئنان على مستقبلها، إلا أن الابداع البشري ظل يعمل على ارتياد آفاق جديدة بمعنى استكشاف مصادر متجددة للطاقة لصالح التنمية والتطور البشري. في اطار هذه المحاولات حاول الانسان أن يسبر أغوار الأرض وأن يصافح ضوء الشمس وأن يستجلب الخير من هبوب الرياح. هذه المحاولات هي موضوع الجزء الأخير من هذا الحديث. كاتب سياسي من مصرـ