كل من استعار مني كتابا لم يعده، حتى ايقنت أن نهاية الكتاب ليست خاتمته بل هي في اعارته! وليت الذي يستعير كتابا يقرؤه، بل ان الغالبية لديها الرغبة العارمة في امتلاك البضاعة لا الانتفاع منها، لذا تجد البعض يخرج من معارض الكتاب محملا بالأكياس المنتفخة لكن حظه من المعرفة لا يكاد يتجاوز مد خطواته. وعلى الرغم من الخدمات الجليلة التي تقدمها المكتبات العامة المنتشرة في مختلف انحاء الدولة في مجال نشر المعرفة وتوطيد علاقة المواطن والمقيم بالكتاب، إلا انها لا تحصل في المقابل على تجاوب بعض عملائها باعادة الكتاب المعار - على وجه الخصوص - رغم كافة الضمانات التي تتخذ لاستعادة الكتاب بانتهاء مدة اعارته. ومشكلتنا في الدول العربية عدم الالتزام بالقوانين التي تنظم سير التعاملات اليومية، وتجاهل الوعود والمواثيق التي تحكم علاقاتنا وتعهدنا بالعمل عليها، الامر الذي افقدنا الكثير من الثقة ومصداقية التعامل مع بعضنا البعض، بعكس نظرتنا للاجانب الذين نجتمع معا في اعتماد امانتهم وتصديق نواياهم عند ابرام الاتفاقيات. وطالما لم نخرج عن دائرة الكتاب والمكتبات فإن العملاء الاجانب بحكم أنهم أكثر إلتصاقا بالكتاب من قربنا منه، أكثر ترددا على المكتبات العامة وأشد التزاما بالحفاظ على سلامة الكتاب وموعد إعادة المواد المعرفية التي يستعيرونها، بينما يتقاعس القارئ العربي رغم ندرته في أن يرفع سماعة الهاتف أو يبعث عبر البريد الالكتروني رسالة إلى المكتبة المعنية يطلب فيها تمديد مدة الاعارة لفترة أخرى، وغالبا ما ينقضي الاجل المحدد دون ان يعود الكتاب إلى رفه، وان عاد فانه يأتي متهالكا متهلهلا مبعثرا وكأنما استخدم في غرض غير الذي اصدر من أجله! والملاحظ ان المواطنين في البلدان الاوروبية مازالوا عند نهمهم بالقراءة رغم ثورة الاتصالات الرقمية وتقدم وسائل الاعلام وتعدد وسائط المعلومات، إذ لا يكاد أن يحصل احدهم على فرصة سانحة للانفراد إلا وجالس الكتاب ليستثمر الوقت ويستقي من ألوان المعارف ما شاءت له الظروف. بيد ان نهاية الكتاب عندنا بامتلاكه، وكأن ثراء المعرفة هي بمخزون الكتب التي نحتفظ بها، وهي احدى المفاهيم الاستهلاكية التي املتها علينا المادة، بعد ان حولت الساحة الثقافية إلى سوق تجارية يحكمها قانون العرض والطلب وتوفر فيها المادة المعرفية حسبما تمليه قوانين الربح لا وفق المحصلة التي تمليها متطلبات المعرفة.