للحداثة تعاريف، وعندي ان الحداثة هي الحالة التي تتيح توفر التعددية الفكرية، وتوفر تعدد المناظير والقراءات والتفاسير. الموقف الحديث هو الموقف الذي يعي صاحبه، انه ليس الوحيد على الساحة الفكرية في كل مجالات الحياة، والذي يقبل صاحبه بوجود تعددية الافكار والمناظير والقراءات والتفاسير والنهج والتيارات. حالة الحداثة الفكرية تعني حالة الاحترام المتبادل وحالة احترام الغير على الساحة الفكرية. ومما يعنيه ويتضمنه الاحترام عدم منع الآخرين من المشاركة الفكرية في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وعدم الانطلاق من الاعتقاد بان امتلاك الحقيقة مقصور على فرد واحد أو وسط واحد أو جماعة واحدة. ومما يعنيه ويتضمنه الاحترام ايضا الاعتقاد بوجوب تساوي الجميع في الحق في ان تتاح لهم الفرصة للمشاركة في شتى مجالات النشاط البشري. ومما تعنيه الحداثة ايضا الاعتقاد بان لكل فرد الحق في فكره، وبان لكل فرد الحق في الاختلاف وفي اختيار ما يطيب له وفي تسيير شئون حياته على النحو الذي يريده. والنظام الاجتماعي او الثقافي أو القيمي او الفكري او النفسي الذي لا يقر بالحق في ذلك ولا يعتقد بضرورة الانطلاق من منطلق حق البشر في الاختلاف وفي الاختيار ليس نظاماً حديثاً. والتقييد الفكري الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنفسي الرسمي وغير الرسمي لايتفق مع الحداثة. والقمع الفكري والقهر النفسي لا يتفقان مع الحداثة لانهما لايتمشيان مع الاعتقاد بالتعددية ولانهما يدلان على الانغلاق الفكري ويناهضان الانطلاق الفكري. والموقف الفكري او النفسي الذي يقر بدونية المرأة حيال المرء والذي يقر بتدني مركزها القانوني والاجتماعي والاقتصادي موقف لا ينم عن الحداثة لان هذا الموقف اقتصاري وانغلاقي. موقف يرفض شمول حرية الفرد المخلوق ويرفض التعددية وفكرة اتاحة الفرصة للبشر كافة. والنظام الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي من قيمه طمس شخصية الشاب أو الطفل والذي لا يقوم فيه نظام للاتصال المتبادل ولكن نظام للتوصيل احادي الاتجاه من اعلى الى اسفل، ويتعين فيه على افراد الشعب والعائلة والمجتمع ان يصغوا وان ينصتوا وان يتلقوا وان يطيعوا وينفذوا التوجيهات والاوامر الصادرة من فوق ليس نظاماً حديثاً. ولا يمتلك فرد واحد أو جماعة واحدة معرفة الحقيقة المطلقة. ولا يصح لاي طرف ان ينسب الى نفسه معرفة تلك الحقيقة. وتعريف شيء من الاشياء نابع من فهم الشخص الذي يقوم بالتعريف لذلك الشيء. وبالنظر الى ان من المستحيل فهم الحقيقة المطلقة تكثر تعاريف البشر لها. ولا يصح تعميم مثل او مباديء بوصفها حقيقة مطلقة. لا توجد حقيقة مطلقة الا الخالق سبحانه وتعالى. اعتبار ظاهرة أو فكر انه يتضمن حقيقة مطلقة هو التحجر او الجمود او القيد أو القتل في المجال الفكري. اعتبار فكرة من الافكار انها تتضمن حقيقة مطلقة هو من قبيل الثنائية الفكرية التي لا تراعي متطلبات اختلاف الزمان والمكان والتي لا تراعي ايضا الواقع الذي يتضمن درجات كثيرة تقع بين تلك الفكرة ونقيضها. لقد انسحر أو انبهر كثيرون من الناس بمظاهر الحضارة الغربية، وهي حضارة لها جوانب ايجابية مشرقة وجوانب سلبية قاتمة. وبالنظر الى ان الانبهار ينم عن القبول التام بالشيء موضع الانبهار فان هذا الموقف يفتقر الى التوازن الفكري وينم عن الافتقار الى فهم الواقع. والقبول المطلق بافكار معينة هو بمثابة الانغلاق الفكري، وذلك لان اطلاق القبول لا يفسح مجالا للتفكير في بدائل فكرية اخرى، ولا يفسح مجالا للوعي باحتمال خطأ الفكر المقبول ولا يفسح بالتالي مجالا للحوار الفكري. فالقبول بالفكر المطلق معناه رفض الحوار. واحد وجوه الاختلاف بين الانغلاق الفكري والانفتاح الفكري هو ان الاول انسحابي انكماشي، والثاني تقدمي توسعي . الاول ورائي التطلع والثاني امامي التطلع. الاول اكثر محافظة والثاني اكثر قابلية للتغيير. الاول اكثر رضى واكتفاء بالحالة الفكرية القائمة والثاني اكثر قابلية لدمج عناصر فكرية جديدة عن طريق التفاعل. والمجتمعات التي يسودها الفكر المنغلق تكون اقل صلة بالتطورات الحاصلة واقل وعيا بها وتأثيراً فيها. ولعدم أو قلة التفاعل الفكري ولاكتفاء الفكر المنغلق بنفسه فان التطورات في شتى مجالات الحياة تحصل وتتجاوز الحالة التي تكون فيها المجتمعات ذات التفكير المنغلق. ومن سمات الفكر المنغلق انه فكر ثابت مستقر (ستاتيكي). وذلك لان السمات المقترنة به وهي الرضى والاكتفاء بالذات والسلوك الانكماشي والانسحابي والتوجه الورائي والمحافظ سمات تجعل تعرضه للتفاعل مع افكار اخرى معدوما او قليلا، وبالتالي لا تعرضه للتغيير او تعرضه للتغيير القليل البطيء. ومن الناحية النفسية يزداد انغلاق من يكون في حالة الدفاع ويتعرض للهجوم او يقل انفتاحه، ويقل في سلوكه عنصر التلقي او التفاعل المتبادل ويتعزز في سلوكه عنصر الارسال ورد الفعل وحافز الدفاع عن النفس والذات والبقاء. وان تعرض افراد شعب لهذه الحالة يجعلهم ينشغلون انشغالا اكبر بالتصدي لها ولاثارها، ولم يتح التعرض لهم الوقت الاطول والنفس الاطول والطمأنينة الفكرية والنفسية التي تمكن من ان ينظروا بعين اكثر نقدا لجميع جوانب حياتهم. ومن سمات الانفتاح الفكري الانطلاق الفكري. والانفتاح الفكري سلوك عقلي لا يميل الى التقييد والتحديد والاغلاق ولكنه يميل الى الانطلاق والحرية. الانفتاح الفكري اهتمام بما هو موجود وبما قد يكون موجودا ووعي بوجود الامكانيات والاحتمالات والبدائل الفكرية، ووعي بما لدينا وبما قد ينقصنا، وعدم رفض الشيء الجديد لمجرد جدته او الشيء الغريب لمجرد غرابته. الانفتاح الفكري هو الكشف عن الصلة بين الاشياء المعلومة والمجهولة والاشياء العادية وغير العادية والاشياء المألوفة وغير المألوفة. وذلك كله في ظل خلفية ثقافية وسياسية ولغوية ونفسية واقتصادية وتاريخية. ولدى الانسان ميل الى التأثر بالمحيط الاجتماعي الاوسع الذي حوله. فاذا كان فكر الانسان اشد انغلاقا كان تأثره بذلك المحيط اكبر وكان دوره في ذلك المحيط اشد سلبا، وبالتالي تكون القوى العاملة هي المحددة لفكر ذلك الانسان او المقررة لطريقة حياته. وحتى يستطيع المرء ان يكون على قدر اكبر من التأثير ينبغي ان يكون على قدر اكبر من الانفتاح الفكري، اذ بذلك الانفتاح تتوفر لديه آلة ممارسة التأثير وآلة التحكم الفكري. والانفتاح الفكري يؤدي الى الابداع الفكري، لان الانطلاق والتفاعل والوعي لابد من ان تتمخض عن الابداع. والمجتمعات البشرية كلها بحاجة الى الابداع: الى المبدعين في مجالات الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية والفنية والادبية والنفسية وفي مجال الفلسفة والتاريخ. عن طريق الابداع يمكن تحقيق النهوض الاجتماعي بالمعنى الاوسع، ويمكن حل كثير من المشاكل العسيرة القائمة والتصدي لكثير من التحديات الماثلة امامنا. ولا تنتعش الثقافة وتشمخ وتبلغ درجة العظمة الا في ظل الانفتاح الفكري الذي يتضمن التلاقح والتفاعل الفكريين. والتلاقح الفكري ليس التقليد والمحاكاة الفكريين. فالتقليد والمحاكاة هما سلوك فكري باتجاه واحد: من المقلد (بفتح اللام) والمحاكي الى المقلد والمحاكي. والتفاعل الفكري يتضمن التحرك الفكري باتجاهين. المتفاعل لا يقلد ولا يحاكي ولا يتلقى. والانفتاح الفكري ليس التقليد والمحاكاة الفكريين. وبينما يكون الانفتاح الفكري الوعي الفكري وتأكيد الذات والثقة بها يكون التقليد والمحاكاة الفكريان نقص الوعي الفكري وابطال الذات وعدم الثقة بها. الحداثة نتيجة تحقيق حالة نفسية. من السمات الرئيسية لهذه الحالة الانفتاح العقلي والفكري. وهذا الانفتاح يوجد الاستعداد للتفاعل الفكري والاصغاء. ومما يتعلق بالانغلاق والانفتاح هو التحرك من حالة الانفعال الى حالة الفعل والتفعيل، ومن حالة التلقي فقط الى حالة التلقي والارسال كليهما، ومن حالة التصدي للتحدي عن طريق المحافظة الى حالة التصدي للتحدي عن طريق التغيير، ومن حالة الركود الى حالة الحركة والمواكبة. على هذا النحو تستطيع الذات العربية ان تفرض حضورها ووجودها، وان تكتشف البدائل وان تتجاوز القيود الزمنية والمكانية وان تقرر حدود رؤيتها الفكرية المنطلقة. وبهذا الانطلاق والانفتاح يزداد وعي الذات العربية بنفسها ووعيها بالآخر حولها، وعيها بالبدائل القائمة. وبهذا الوعي المعزز تزداد الذات العربية ثقة بنفسها ويزداد حضورها قوة على الساحة الفكرية ويزداد دورها تأثيرا وتزداد تفاعلا مع الاخرين على نحو ايجابي، ودون ان يؤدي ذلك الى فقدانها لسماتها المميزة. وجوانب كثيرة من الثقافة العربية ـ شأنها شأن ثقافات البلدان النامية ـ جوانب تابعة للثقافة الغربية وطفيلية عليها ومستهلكة لها. والدلالة قد تكون واضحة، وللاشارة الى ذلك قد يكفي القاء نظرة على المنتجات الغربية التي نستعملها، من قبيل المواد الغذائية والافلام والبرامج التلفزيونية التي نشاهدها، والافكار والقيم الغربية التي نقبلها او نتبناها، ونظرة كثير منا الى ذواتنا المتضائلة حيال الذات الغربية والشيء الغربي. ومن الناحية الثانية توجد اصالة في قدر كبير من كتاباتنا الفكرية والفلسفية وفي قسم من عاداتنا وتقاليدنا. وتوجد مظاهر لتأكيد الذات العربية في مجال الادب والفكر والفلسفة. ويوجد في الغرب من يريدون ان تكون ثقافتنا أدنى من الثقافة الغربية وان تكون ثقافتنا تابعة ومستهلكة للثقافة الغربية. وحتى تكون ثقافتنا قوية وغير تابعة للثقافة الغربية ومؤكدة لذاتها ووجودها على الساحة الدولية يجب تحقيق الانفتاح الفكري، فالثقافة غير التابعة والأصيلة والمؤكدة للذات هي الثقافة التي تفي بحاجات الشعب صاحب الثقافة وفاء فعالا. ولن يحقق هذا الوفاء دون الانفتاح والانطلاق الفكريين اللذين يضمنان حرية التدفق الفكري والتفاعل الفكري، وهو الانطلاق الذي يرفض القمع الفكري والاجتماعي والنفسي والعاطفي والسياسي والاقتصادي والفردي والجماعي. والانفتاج الفكري يناويء التدجين الفكري والقمع الفكري. وحتى يتحقق الانطلاق الفكري يجب ان تمارس مؤسسات الفكر والقلم والكلمة ومؤسسات الأدب والفن ممارسة حرة وتدجين هذه المؤسسات بالقيود السياسية والاجتماعية يضعف ويهمش الاصالة الثقافية ويؤدي الى التقييد الفكري والانغلاق الفكري، كما يؤدي الى التقهقر الثقافي حيال الثقافات الأخرى الممارسة لنشاطاتها في ظل الحرية الفكرية والاجتماعية والانطلاق الفكري والنفسي. والانفتاح والانطلاق الفكريان يناوئان ثقافة الاغراق والغلو في المديح والتمجيد، ثقافة المديح والتمجيد دون استحقاق لفئة من الفئات الاجتماعية، مهما كانت قوة تلك الفئة من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية. ويرفض الانفتاح الفكري ثقافة التقريظ لكتاب أو مقال أو ديوان شعر. ولا يطيق الانفتاح الفكري المجاملة اللغوية والاجتماعية، ويرحب بالنقد ولا يخيف الانفتاح الفكري المحذرون منه والمعادون له والمحاولون تدجينه وتهميشه وازالته. والانطلاق الفكري يكلف غاليا، قد يكلف صاحبه فقدان مصدر رزقه أو ماله أو نفسه أو عياله أو اصدقائه، وقد يسبب الانفتاح الفكري الانشطار النفسي والعناء النفسي. ولتكلفة الانطلاق الفكري هذه أثر سلبي في النشاط الفكري لبعض المفكرين الذين قد لا يكونون مستعدين، وهم يقدرون هذه التكلفة، لأن يطلقوا العنان لفكرهم. وقد تجعلهم اعتبارات مصالحهم الحياتية الأضيق يكيفون فكرهم مع ما يتطلبه تحقيق تلك المصالح. وبذلك يقيدون فكرهم ويدجنونه. يبين ذلك انه حتى يكون من الأسهل تحقيق الانفتاح والانطلاق الفكريين يجب ان يكون الالتقاء أكبر أو التضارب أقل أو ان تكون الفجوة أضيق بين المتطلبات والاعتبارات السياسية، من ناحية، ونتائج ومردودات الانطلاق الفكري من ناحية اخرى، وايضا بين تحقيق مصالح أصحاب المصالح من ناحية، ومتضمنات الانفتاح الفكري وارتياد المجهول من ناحية اخرى. ونقول تضييق الفجوة، ولا نقول ردمها، لأنه يبدو من المستحيل تحقيق ردمها لأن مراعاة متطلبات تحقيق مصالح السلطات محافظة فكريا بطبيعتها، بينما مردودات الانفتاح الفكري أقل مراعاة لتلك المتطلبات أو لا تراعيها. إن مراعاة تحقيق المصالح لا يمكن ان تواكب فكريا متضمنات الانفتاح الفكري. ويمكن تحقيق تضييق هذه الفجوة عن طريق تنشئة وتربية اصحاب السلطة على ايلاء قدر أكبر من المراعاة لمتضمنات الانفتاح الفكري، وايضا عن طريق اقامة نظام اجتماعي يأخذ بقيم تجعل من الممكن لمتضمنات الانفتاح الفكري أن تؤثر في مواقف أصحاب السلطات. وهناك أنواع مختلفة من السلطة: سلطة الذات والسلطة الاجتماعية والسلطة الثقافية والسلطة الاقتصادية. وتكون هذه السلطات إما حكومية أو غير حكومية، أو إما رسمية أو غير رسمية. وهذه السلطات كلها تتفاعل فيما بينها. والعامل السياسي، أي قدرة سلطة على التأثير على سلطات أخرى، هو الذي يقرر نتيجة هذا التفاعل. ومن حق كل امريء ان تكون لذاته سلطة عليه. فالمرء يؤكد حضوره بممارسة الذات لسلطتها عليه. وممارسة الذات لسلطتها توكيد لحضوره ووجوده. تتأكد انسانية الانسان بممارسة ذاته لسلطتها عليه. ومن الطبيعي ان يكون للسلطة الحكومية في شتى المجالات اثر أقوى من أثر السلطة غير الحكومية، وذلك لما تملكه السلطة الحكومية من أدوات تنفيذ السياسة وانفاذ القوانين والأنظمة. ـ أستاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة