قبل أن يجف المداد الذي كتبت به مبادرة السلام العربية التي تبناها مؤتمر القمة العربي الرابع عشر في بيروت، فجرت إسرائيل الموقف على نحو كان متوقعا بإعلان الحرب على رمز الشعب الفلسطيني المتمثل في الرئيس ياسر عرفات، وهاجمت مدينتى رام الله والبيره بطريقة أعادت إلى الأذهان الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في العام 1982. ولم يكن العدوان الإسرائيلي الجديد ردا على العمليات الاستشهادية بقدر ما كان رسالة واضحة للأمة العربية وردا عمليا على أطروحة السلام العربية وإستخفافا بها وتحديا للعرب جميعا. ليس سرا القول أن تل أبيب وواشنطن بذلتا قصارى جهدهما قبل وأثناء القمة العربية لإفشالها أو على الأقل جعلها تخرج بقرارات هزيلة لا تتعارض مع المصالح والتوجهات الأمريكية المحكومة بعقدة الحادي عشر من سبتمبر من جهة، ولا تضع شارون في مأزق جديد يضاف إلى رصيد الفشل السياسي الذي أصبح قرينا بهذا السفاح مجرم الحرب الذي ضرب رقما قياسيا في ارتكاب الجرائم التي لا يقرها قانون أو عرف دولي. ولكن القمة رغم أن مقرراتها قد تبدو في نظر الكثيرين دون تطلعات وأمال وهموم الشارع العربي الذي كان ينتظر موقفا قوميا يتسم بالقوة والصلابة، خاصة في ظل احتقان الأوضاع بالمنطقة لاسيما مع تصاعد العدوان على الشعب العربي الفلسطيني. إلا أنه يمكننا القول أن القمة استطاعت بعد جهد واضح بين الاشقاء أن تنجز تقدما غير مسبوق على مستوى ما يعرف بالحالة العراقية - الكويتية، مما يمهد الطريق لعودة العراق إلى الصف العربي كقوة فاعلة تسند التحرك العربي في كافة مستوياته وتسانده. وبالطبع أغضب هذا الإنجاز الإدارة الأمريكية التي تعد العدة للإجهاز على الشعب العربي العراقي تحت زعم ما يسمى بالحرب الأمريكية ضد الإرهاب. وعلى الرغم مما أثير بشأن المبادرة السعودية إلا أنه يحسب للقمة ومع غياب واضح لاكثر من نصف القادة العرب عنها، أنها تبنت المبادرة وحولتها إلى مشروع عربي للسلام، ربما كان الورقة الأخيرة في مسلسل التسوية السياسية في الشرق الأوسط قبل أن تخرج الأمور عن حدود السيطرة. وإذا كانت القمة صاغت المبادرة بشكل واضح فإنها جعلت الكرة تنتقل إلى الملعب الإسرائيلي ووضعت ما يسمى بـ (الراعي) الأمريكي أمام مسئولياته رغم سقوط مصداقيته. وكان الرد عدوانا غاشما من قبل إسرائيل وصمتا أمريكيا يشير إلى مباركة واشنطن لاقتحام مقر عرفات في رام الله، لتعود الكرة إلى الملعب العربي لنقول ماذا أنتم فاعلون ؟! في تقديري أن قمة بيروت نجحت في أن تقدم من خلال المبادرة العربية التي أقرتها كل الدول العربية للشعب الإسرائيلي فرصة ربما لن تتكرر لانقاذ نفسه من سياسات شارون الفاشلة، ولكن إعلان الحرب على الشعب الفلسطيني بالصورة التي تمت بعد أن انفض مؤتمر القمة العربية، يثبت أن الاستمرار في طلب السلام من قبل العرب والذي يقابل برفض للسلام وبحرب تهدد بإشتعال منطقة الشرق الأوسط وتواطؤ أمريكي واضح مع شارون، هو أمر يحتم على النظام الرسمي العربي إعادة النظر في تصوره للسلام مع إسرائيل لاسيما الحكومة الحالية، لأن أرييل شارون فقد المقدرة على امتلاك أي تصور سياسي ينقذ شعبه من المأزق الذي أوقعه فيه بتصلبه وضيق أفقه. وأعتقد أن الكلمة الحاسمة هي لرجل الشارع الإسرائيلي الذي أتى بشارون إلى سدة الحكم، خاصة بعد إطلاق المبادرة العربية لأن الناخب الإسرائيلي يدفع وسيدفع ثمنا يوميا من أمنه وأمانه نتيجة غطرسة القوة لشارون. ورغم كل الانتقادات الموجهة إلى المبادرة العربية فإنها إذا إستجابت إسرائيل لها والتزمت أمريكا الحياد، ستكون المخرج من دائرة العنف في المنطقة. ولكن إذا استمرت إسرائيل في انتهاج سياسة العدوان وأصمت الولايات المتحدة أذنيها ونظرت للموقف في الشرق الأوسط من جانب واحد هو الجانب الإسرائيلي، لاشك أن المنطقة ستكون على أعتاب مرحلة حرجة للغاية ومنعطف خطير في الصراع العربي الإسرائيلي. ولا يبقى غير خيار المواجهة أو المقاومة الشاملة لأن تطورات الأحداث على النحو الذي سارت فيه منذ اندلاع إنتفاضة الأقصى المباركة في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000، أثبتت بما لايدع مجالا للشك أن توسيع نطاق العدوان الإسرائيلي على الشعب العربي الفلسطيني والذي يكاد يصل إلى الذروة بالهجوم على مقر رئيس السلطة الفلسطينية في محاولة لتركيع الشعب الفلسطيني الصامد كرد على العمليات الاستشهادية، لم يجد ولم يحد من الإصرار على مواجهة العدوان! ويمكن القول أنه على العكس تماما كلما اتسع نطاق العدوان وزادت وحشيته وشراسته، كلما زادت حدة المقاومة وإصرار الشعب الفلسطيني على النصر والتحرير بإذن الله. هكذا علمنا التاريخ أن إرادة الشعوب صاحبة الحق لم تهزم قط، وإن شارون ومن قبله باراك قد دمرا عملية السلام وأعادا المنطقة الى وضعها على حافة الحرب وان الموقف الدولي إذا لم يرتق إلى مستوى التحرك العربي الجماعي سيكون أمرا مهينا وغير مقبول في أمتنا العربية. ومن هنا إذا كان الجانب العربي قد أكد التزامه بالسلام من خلال إعلان بيروت فإن التحرك العربي المنشود المتسق مع ما يثار في الشارع العربي يجب أن يربط هذا الإلتزام بما يمكن أن نسميه باستراتيجية عربية شاملة تضع في اعتبارها رفض إسرائيل للطرح العربي للسلام، وبدون هذه الاستراتيجية سيظل التحرك العربي فاقدا للقدرة على الإنجاز في اتجاه تحقيق المصالح القومية العربية وفي مقدمتها حل المشكلة الفلسطينية وتحرير باقي الأراضي العربية المحتلة. بعبارة أخرى يصبح من الضروري أمام دوائر صنع القرار في الوطن العربي أو ما يسمى بالنظام الرسمي العربي خياران متوازيان، الخيار الأول هو طريق التسوية السياسية والخيار الثاني.. طريق المقاومة الشاملة. ومن ثم يتحتم التحرك بين الخيارين حسب معطيات الظروف وبالشكل الذي يجبر إسرائيل على احترام إرادة الأمة العربية. ومن الثابت حتى الآن أن الفعل المؤثر على ساحة الأحداث هو المقاومة الفلسطينية الباسلة المتمثلة في العمليات الفدائية الاستشهادية والتي تصبح بلا جدال ،مع تراجع فرص التسوية السياسية، المعادل الموضوعي للقوة الإسرائيلية الغاشمة. ولا أظن أن التحرك السياسي العربي سوف يؤتي ثماره إذا لم يكن مدعوما بعامل القوة والمقدرة على ردع الطرف الآخر حتى يصل إلى الاقتناع التام بأن وجوده مرتبط بقبوله السلام العادل والشامل. نافلة القول.. إن القضية المحورية للتحرك العربي، بعد إطلاق مبادرة السلام في قمة بيروت وبعد استخفاف إسرائيل بها، وتوسيع عدوانها بإعلان الحرب على كل المناطق الفلسطينية من رام الله والبيره وبيت لحم وغزة وغيرها، لا أعتقد الآن أنها في قبول أو رفض إسرائيل للمبادرة السلمية أو للسلام مع العرب بشكل عام، ولكن القضية المحورية للعمل العربي تتمثل في كيفية امتلاك العرب لمفردات قوتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية ومن ثم تسخيرها لخدمة ونصرة الحق العربي الذي انتهكته إسرائيل بتشجيع من الولايات المتحدة. ويبقى على النظام الرسمي العربي أن يتفاعل مع نبض الشارع العربي الذي تسوده حالة من الغضب لعجز هذا النظام عن مواجهة إسرائيل التي تعربد بلا رادع أو مراجع. فهل يمكن وفي هذه الظروف الحرجة التي تمر بها الأمة أن يلتقي العرب حول استراتيجية واحدة تحكم تحركهم السياسي، بعد أن دخل الصراع العربي الإسرائيلي فصلا جديدا أعتقد أنه يمكن أن يكون الفصل الأخير، بإرادة العرب لا بإرادة إسرائيل. ـ كاتب مصري