«اننا نعي احتمال اصابة ياسر عرفات عرضا. لكن الضباط والجنود (الاسرائيليين) على ادراك تام لهذا الخطر». هذا قول المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي الجنرال رون كتريف. وكذلك الحديث مستمر عن حالة الحصار العسكري لمقر الرئيس الفلسطيني منذ يوم الجمعة وما يتبع ذلك من اطلاق نار على مكتب عرفات والمبنى المحيط به واشتباكات بين قوة الحصار الاسرائيلية وحرس الرئيس. من قول الجنرال الاسرائيلي يلتقط صائب عريقات، احد كبار مساعدي عرفات، الخيط فيقول: حياة عرفات في خطر، الاسرائيليون مصممون على قتله، ولهذا الغرض يقومون بعملية تحضير للرأي العام العالمي. وسوف نسمع قريبا ان جنديا اسرائيليا تعرض لاطلاق نار فرد «دفاعا عن نفسه» باطلاق النار في الهواء فأصابت الرئيس عرفات «طلقة طائشة» او ربما سيدعون ان قنبلة «انزلقت خطأ» او ان اشتباكا مسلحا وقع مع حرس الرئيس فرد الجنود الاسرائيليون وقتل عرفات «عن طريق الخطأ». ان مايقوله عريقات هو على الارجح السيناريو الاسرائيلي المرتقب الذي بطبيعة الحال لن يعلن. فالتصميم الاسرائيلي على قتل عرفات لم يعد موضع شك. يتبقى فقط هاجس تنفيذ السيناريو بأعلى درجات الدقة الماكرة، بحيث يبدو قابلا للتصديق ان الحادثة وقعت «عرضا» او «خطأ». على ان السؤال الرئيسي والأهم هو: لماذا صممت حكومة اسرائيل اصلا على تصفية عرفات شخصيا؟ لماذا صار شخص عرفات أول الاولويات الأمنية والسياسية الاسرائيلية؟ للمقارنة، ان الشيخ احمد ياسين راعي «حماس» ومروان البرغوثي قائد «فتح» وذراعها العسكرية «كتائب شهداء الاقصى» التي حققت رقما قياسيا في العمليات الاستشهادية ضد اسرائيل يقفان سياسيا على يسار عرفات، ولأن الأولوية الأمنية الاسرائيلية العليا موجهة صوب وقف العمليات الاستشهادية فان من المستغرب ان يستهدف التركيز الاسرائيلي ياسر عرفات «المعتدل» نسبيا ولا يستهدف ياسين او البرغوثي المصنفين اسرائيليا في دائرة التطرف الاقصى. ولكن من السذاجة بالطبع ان نتهم مؤسسة الحكم الاسرائيلية بالغباء كأن نقول مثلا ان الحملة الاسرائيلية المركزة على عرفات بهدف وضع نهاية لحياته تنطلق من مشاعر ثأرية ذاتية وشخصية الطابع لدى الجنرال ارييل شارون. أغلب الظن ان اعتزام الحكومة الاسرائيلية تصفية ياسر عرفات ينطوي على هدف خفي مبني على قناعة غير معلنة. ولمعرفة طبيعة هذا الهدف ليس متاحا امامنا سوى التخمين. رغم ان قيادات فصائل المقاومة الرئيسية ـ فتح وحماس والجهاد والجبهتين الشعبية والديمقراطية وتنظيماتها القتالية ـ هي المسئولة اساسا عن «الارهاب المسلح» من وجهة النظر الاسرائيلية تخطيطا وتنفيذا وسيطرة، وليس ياسر عرفات ومن حوله من الرموز القيادية للسلطة الوطنية الفلسطينية، كما تروج اسرائيل، الا ان ياسر عرفات يملك شيئا ليس متاحا لقادة الفصائل المقاومة تملكه. عرفات يملك المال المتدفق بانتظام عبر قنوات موصولة بخزائن حكومات عربية. بعض هذا المال ينفق على انشطة السلطة الفلسطينية والآلة الدبلوماسية الفلسطينية في الخارج بالاضافة طبعا الى اعمال ومتطلبات الرئاسة الفلسطينية نفسها. ان الحكومات العربية المتبرعة لا تتعامل في هذا الصدد مباشرة مع قادة حماس او الجهاد او «التنظيم» التابع لفتح. انها لاتتعامل الا مع ابو عمار وهو تعامل تقليدي يعود عبر السنين للوراء الى ستينيات القرن الماضي. ويبدو ان الخلاصة التي توصلت اليها حكومة شارون هي ان تصفية عرفات شخصيا تعني توقف الامداد المالي الخارجي، وبما ان بعض هذا المال يذهب الى فصائل المقاومة فإن شارون ربما رأى في تصفية عرفات تجفيفا للقنوات المالية التي تغذي «الارهاب» الفلسطيني. هذه الخلاصة الاسرائيلية مبنية على فرضية ان الحكومات العربية لا تحبذ تعاملا ماليا مع قادة فصائل المقاومة وهي فرضية تحتمل الصحة بقدر ما تحتمل الخطأ.