من أبرز الكلمات التي نطق بها الرئيس بوش تعليقا على العمليات الاستشهادية مستنكرا لها واصفا اياها بأنها عمليات قتل بدماء باردة. وأضاف الرئيس بوش بأن عمليات القتل بدماء باردة لن تحل المشكلة بل وستزيدها تعقيدا. وهو وصف حق، ومن المؤكد أن الرئيس الأمريكي قضى وقتا طويلا في اختيار ألفاظه حتى تكون أحكامه مطابقة لواقع الحال، لأن الحوادث الاستشهادية التي يقوم بها الشباب بدم بارد هو عمل مكروه، وقيل انها حرام وهي كارثة كبرى لا تليق لأن هذه العمليات التي يقوم بها الشباب الفلسطيني هي بالتأكيد نوع من أنواع القتل بأعصاب باردة، عكس العمليات التي يقوم بها جنود الجيش الاسرائيلي ضد أبناء الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال، لأن هذه العمليات تتم بدماء حارة متدفقة، عكس العمليات التي يقوم بها شهداء فلسطين التي تجري بدماء باردة، والعبد لله لا يعرف الجهاز الطبي الذي استخدمه الرئيس بوش في معرفة الدم البارد من الدم الحار. ولماذا يستخدم الفلسطينيون الدم البارد بينما يستخدم الاسرائيليون الدم الحار، وهل الدم البارد أرخص؟ هل يجري تهريبه من الجمارك دون دفع رسوم أو فلوس؟ ولماذا يصر الفلسطينيون على استخدام الدم البارد لدرجة أنهم أشعلوا غضب الرئيس الأمريكي منهم مما دفعه الى شجب هذه الممارسة السيئة. الخطأ الوحيد الذي وقع فيه الرئيس بوش هو انه لم يلتمس العذر للاستشهاديين الفلسطينيين، فكلهم عاطلون ليس لهم عمل، وأغلبهم محاصر منذ أسابيع، وبعضهم لم يتناول طعاما منذ عدة أيام، ولا يوجد في جيوبهم نقود تكفي لشراء دم حار يرتكب به حوادث القتل ضد المحتلين الاسرائيليين. السبب يا سيدي الرئيس هو ضيق ذات اليد وضيق الحصار وضيق الاحتلال وضيق الحال. وباستطاعة الرئيس الأمريكي أن يحل المشكلة عن طريق حفنة من الدولارات، تمكن هؤلاء الاستشهاديين من شراء دم حار يرتكبون به حوادث القتل، وترفع عنهم الحرج وتنقذهم من لوم الرئيس الأمريكي ومن لوم مساعديه. والعبد لله لا يطالب بأموال كتلك التي يحصل عليها جنود الاحتلال الاسرائيلي، فالناس مقامات والعين ما تعلاش على الحاجب، وهؤلاء الجنود الاسرائيليون لا يجيدون القتل بدماء باردة، ولكنهم اعتادوا القتل بدماء ساخنة تغلي، وهو أمر حلال تماما ويحظى برضاء الرئيس الأمريكي، أما القتل بدماء باردة فهو مكروه، وقيل انه حرام.. والله أعلم. كلمة للرجل في هذه اللحظات الحرجة الحاسمة، أريد أن أسجل كلمة للرجل الذي يواجه أخطر لحظة يواجهها مناضل في حياته. الرجل هو المناضل الكبير ياسر عرفات، كم تعرض للنقد، وكم تعرض للهجوم عليه والسخرية منه، وكم اتهمه البعض بالخضوع والركوع وبيع القضية.. سامح الله الجميع.. والعبد لله يشهد بأن الرجل ياسر عرفات كان له هدف لم يغب عن قلبه أو عينه في أي لحظة. استخدم الحديد والنار، وخاض المعارك واكتوى بالنار عندما كتب عليه خوض المعركة.. وفاوض وصافح وصالح عندما وجد أن المصافحة والمصالحة هي الطريق الى هدفه.. بعض الذين هاجموه لم يحملوا في حياتهم سلاحا ولا سكينا لتقطيع اللحم على مائدة الطعام. وبعضهم لم يشهد معركة في حياته، اللهم إلا معارك الحرب العالمية الثانية في برامج التلفزيون. ومع ذلك لم يعبأ الرجل بناقديه أو بحاقديه. لأن الهدف الذي كان يضعه صوب عينيه كان يشغله عن كل ما في الحياة، جرب الموت في عمان ونجا منه بأعجوبة، وجرب الموت في بيروت ونجا منه بمعجزة لا يعرف سرها أو حكمتها إلا الله. واستطاع رجل مثل الجنرال رابين أن يجرجره الى مائدة المفاوضات واستجاب، عاد بنفسه الى أرض الآباء والأجداد. عاد رافعا بيده اتفاقية أوسلو، وكم جرت عليه هذه الاتفاقية من الاشاعات والانتقادات. وصفه البعض بالمهادن ورماه البعض بالتفريط، والرجل في الحقيقة لم يفرط ولم يهادن. كان يخطط ليناضل من بقعة أرض داخل الحدود، وتم ازاحة رابين على يد شاب يهودي متطرف، دفعه الى ارتكاب الجريمة بعض الأحزاب المتطرفة وبعض الشخصيات المتآمرة. وأخيرا جاء شارون وقرر الغاء أوسلو وتمزيق اتفاقيتها. أين هم هؤلاء الصناديد الذين اتهموا عرفات بالخنوع والركوع؟.. أين هم هؤلاء الصناديد الذين اتهموا اتفاقية أوسلو بأنها اتفاقية للخيانة وبيع القضية؟.. وأقول لياسر عرفات في هذه اللحظة بالذات.. طبت مفاوضا ومقاتلا يا رفيق!