الشعوب العربية تعرف ان بعض جيوشها انشئت لترابط في ارضها مدى الحياة لهذا لا تعول عليها في المسافات الطويلة، فهي جيوش متخمة، مرفهة لياقتها البدنية، بالكاد تقدر على رفع العلم في طابور الصباح وتحية المسئولين، وكافية للاستعراضات السنوية في المناسبات، اكتاف جنرالاتها وصدورهم مثقلة بنجوم الارض والسماء! تعلم الشعوب العربية الغرض من انشاء هذه الجيوش المكشوفة اسرارها للقاصي والداني، والعدو قبل الصديق، مفاتيح مخازنها منسوخة ومسروقة من قبل ان تصل، جيوش اكسسوارات، وجيوش لأغراض الداخل لا الخارج قبل وبعد كل شيء. وتعلم الشعوب العربية ان بعض انظمتها وبعض سلطاتها ربطت اعناقها بالغريب وسلمتها المصير، وان كل ما تفكر فيه هذه الانظمة هي حماية نفسها ومكتسباتها وتستهلك المال والوقت والعلم لكل هذا ولا شغل يشغلها سواها. وتعلم الشعوب العربية انها رضت وارتضت هذا الحال، انتظارا لان تتحقق مقولة تراثية قديمة «دوام الحال من المحال» فيما هذا الحال أبدي لا يتغير ولا يتبدل عليها ولا على اجيالها®. لكن الشعوب تسلم بها لانها طيبة النوايا والسجايا®. وتعلم الشعوب العربية ان اقتصادها مربوط بذيل الدولار، اينما ذهب واتجه ولو حتى غطس في حفرة المجاري. وتعلم الشعوب العربية انها مغلولة الارادة، منكوبة في القلب، حزينة منذ امد طويل، ما طالبت بحرية الا ورش عليها الماء الساخن والغاز الخانق والحارق للعيون، وما اندفعت من جراء غصة الا وسيطت بالعصى المكهربة، وما انتفضت الا وديست بالاحذية السوداء الثقيلة®. تعلم الشعوب العربية انها مقادة الى مصير مجهول غير متفق عليه، السيد يسير وهي تسير خلفه، لا هو يسمع لصراخ قافلته، ولا صراخ القافلة يقنعه ان ارتد صداه الى فضاء الهودج المزركش، وتعلم الشعوب العربية أنها مربوطة بالاغلال في لقمة عيشها، ورقبة امانها، ورسغ مستقبلها، وانها رضيت بهذا كله من اجل عيون الوطن والامة والدين والهداية التي ترفع لها الدعاء ليل نهار «اللهم اهد ولاة الامر فينا الى صلاح الامور وخير الامة». تعرف الشعوب العربية هذا المصير وتختار العيش في ظله عن طيب خاطر. ولأجل هذا يتهدج صوت رجل قوي في الشارع العربي باكيا كالمرأة على ما يلم باخوته على الجانب الاخر من هذا الوطن الكبير، هذا الاسر الكبير، وهذا المسيج بالحقائق المرة. يبكي هذا الرجل الشريف وترتعد فرائصه في مكانها، يتفتت في داخله غضبا، ويطحنه العجز والذل والهوان. «لا املك ان افعل شيئا انا اكبر العاجزين».. كم عربي تقتله هذه الجملة هذه الايام؟