كشفت مبادرة السلام العربية التي وقع اجماع عربي عليها في مؤتمر القمة العربية المنعقد ببيروت مؤخراً، بأن لا الولايات المتحدة ولا اسرائيل ترغبان في احلال سلام شامل، كالذي تطالب به المبادرة العربية في الشرق الاوسط، فقد رحبت الولايات المتحدة الامريكية بطريقة (محتشمة) بالمبادرة وقالت انها خطوة في طريق السلام، وكأن ما عرضه العرب من نوايا حسنة تجاه اسرائيل لا يكفي في رأيها لحل النزاع الدائر في المنطقة منذ اكثر من خمسين سنة. لقد كشفت المبادرة العربية ان الادارة الامريكية لا يمكن لها ان تلعب دور الراعي للسلام لأنها لم تستغل الفرصة التي يعرضها العرب وهي فرصة واضحة تطالب بالسلام الشامل مقابل الانسحاب الكامل، ويعني ذلك فيما يعنيه ان الولايات المتحدة الامريكية لا تقبل بأن تنسحب اسرائيل من الاراضي التي احتلتها عام 1967، ومعنى ذلك ان الولايات المتحدة الامريكية ومعها اسرائيل ترفضان المبادرة لسبب وحيد هو ان كلا منهما لا تعرف بعد الحدود التي سوف تعيش عليها اسرائيل.اسرائيل قالت بصراحة انها لن تقبل بمبادرة تخنقها وتجعلها تعيش في حدود مرسومة ضيقة، اي ان اسرائيل لا تريد ان تعيش في المنطقة المحتلة عام 1948 وانما تريد كذلك ان يكون لها بعض من الاراضي المحتلة عام 1967، ومعنى ذلك برأيها ان العرب كان عليهم ان يحددوا حدود الرقعة الجغرافية التي سوف تعيش عليها فلسطين، كما كان عليهم ان يضغطوا على سوريا ألا تطالب بكامل الجولان وكان عليهم ان يطلبوا من لبنان ان يغمض عيونه ولا يطالب بمزارعه المحتلة، وضمنياً هذا ما تريده الولايات المتحدة الامريكية ايضاً.. بدليل انها لم تبد موقفاً ايجابياً من المبادرة العربية لأنها لا تلبي رغبات وطموحات اسرائيل، علاوة على ذلك لم تول اهتماماً بالمبادرة رغم انها كانت تعلم بها ولكنها تجاهلتها واعتبرتها مجرد خطوة نحو السلام، مع ان المبادرة واضحة لا لبس فيها فإذا وافقت اسرائيل عليها فمعناه ان مشكلة الشرق الاوسط سوف تعرف طريقاً للاستقرار ولكن الولايات المتحدة الامريكية لا تريد ان تأخذ بالمبادرة، وانما تريد ان تفرض مبادراتها التي تحاول ان تفرضها على العرب ونقصد بها خطة ميتشيل وتينيت، وهذه المبادرات تراعي مصالح اسرائيل اولاً ولذلك نفهم تصريح الناطق الرسمي الاسرائيلي مباشرة بعد انتهاء اجتماعات القمة العربية عندما قال ان اسرائيل مستعدة للتطبيق الحرفي لخطة ميتشيل وتينيت، وتجاهل ذكر المبادرة العربية لأن حكومته تعرف ان مضمونها ومحتواها لا يرضي طموحات اسرائيل التوسعية بل حتى في اسرائيل لا يوجد اي مسئول اسرائيلي يقدر ان يحدد حدود اسرائيل التي تنوي اقامة دولتها عليها. فاسرائيل دولة توسعية وتأسست على ذلك وتعودت ان تعيش كمؤسسة عسكرية تعيش بنظام الطوارئ والقوات الاحتياطية وحالة الرعب والخوف والخطط العسكرية والمداهمات والاغتيالات حتى ان مكانة الموساد لدى الاسرائيلي افضل بكثير من مكانة الحكومة لسبب بسيط ان عقلية الاسرائيلي عقلية عسكرية ولا يمكن له ان يتحول الى رجل مسالم يفكر بعقلية المدني، فكل اسرائيلي يعتبر نفسه جندياً يخدم هذه المؤسسة العسكرية الكبيرة التي تحاول ان تتوسع كلما سنحت الفرصة لها، ولذلك فهي تعمل كل المستحيل على نسف اي مشروع او مبادرة تحاول ان تضيق الخناق عليها وكان آخرها مبادرة العرب وما كان منها الا أن اعلنت الاستنفار وراحت تحتل مدينة رام الله من جديد مدعية محاربتها لما اسمته بالجماعات الارهابية، اي انها ارادت ان تقول للولايات المتحدة الامريكية انها تشاركها جهودها في محاربة الارهاب الدولي وما دامت الولايات المتحدة الامريكية ادرجت التنظيمات الفلسطينية في قائمة الجماعات الارهابية المطلوب تفكيكها فإن الفرصة اصبحت مواتية لها لتتولى المهمة بالإنابة عن الولايات المتحدة الامريكية، وما يؤكد ذلك ما قاله وزير الخارجية الامريكي كولن باول بعد الاجتياح الاسرائيلي لرام الله: ان الادارة الامريكية تتفهم ما تقوم به اسرائيل لأنها تتعقب جماعات ارهابية!! كما انه من غير المعقول الاعتقاد ان رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون اتخذ قراره باعادة احتلال الاراضي الفلسطينية ومحاصرة ياسر عرفات في مقره من دون معرفة مسبقة من الولايات المتحدة الامريكية، فقد قالها صراحة وزير الخارجية الامريكي كولن باول انه قبل الاجتياح بساعات ابلغه شيمون بيريز بقرار اسرائيل باعادة احتلال الاراضي الفلسطينية، فماذا يعني ذلك اذاً؟ يعني ببساطة ان الادارة الامريكية تبارك اعمال شارون فهو برأيها يتولى مهمة تمشيط (جماعات ارهابية) تتخذ من مدينة رام الله مقراً لها، وان ياسر عرفات في هذه الحالة يعد زعيم المجموعة!! وكأن فلسطين قد تحولت الى افغانستان بينما تحولت رام الله الى قندهار وتحول ياسر عرفات الى الملا عمر!! هذا التشبيه العجيب ذكرته صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية!! فهل يعقل ان تعتقد دولة عظمى تدعي انها ترعى عملية السلام ان السلطة الفلسطينية والتنظيمات الفلسطينية التي تقاوم على الارض غطرسة شارون وآلاته الحربية انها تنظيمات ارهابية تقتل الابرياء المدنيين ويتوجب لذلك القضاء عليها.. ها هي اسرائيل تتولى ـ كعادتها ـ المهمة بدل الولايات المتحدة الامريكية لان هذه الاخيرة منشغلة بالحرب في افغانستان وبالتخطيط لضرب العراق او لأي دولة اخرى لا نعرفها بعد ربما يجري الصاق تهمة الارهاب بها وعندها تكون الذريعة متوفرة للهجوم عليها!!! هذا هو النظام الدولي الجديد الذي تريد الولايات المتحدة الامريكية ان تفرضه على العالم وتقول انه نظام العدالة ومبادئ حقوق الانسان واحترام حق الشعوب في العيش الكريم!! ما العمل لاقناع الولايات المتحدة الامريكية ان التمادي في هذه السياسة يمكن ان يؤثر على مصالحها وكيف يمكن ايقاف اسرائيل عند حدها؟؟ ما من شك ان اسرائيل تعرف مسبقاً ان ميزان القوى مع العرب مختل لصالحها وتعرف ان الولايات المتحدة الامريكية لا يمكن ان توقفها او تعترض توجهاتها وسياساتها العدوانية في المنطقة لأنها اخذت الذريعة لتحقيق أهدافها فهي تريد ان تقول للولايات المتحدة الامريكية انها تشاركها حربها على الارهاب الدولي وما دام العرب يساندون الادارة الامريكية في الحرب على الارهاب فمعناه انه عليهم كذلك ان يضغطوا على ياسر عرفات لايقاف الارهاب الفلسطيني!! علاوة على ذلك لا تريد اسرائيل الاستمرار في لعبة السلام لأنها سوف تخنقها، فاعتقادها الراسخ انها اذا قبلت بالعودة الى طاولة المفاوضات فإن عليها التنازل اكثر عن الاراضي لصالح الطرف الفلسطيني وهذا لا يرضيها طبعاً، بدليل ان اسحاق رابين عندما قبل بالتنازل عن الاراضي المحتلة كان مصيره القتل.ومعنى ذلك ان السلطة الفلسطينية ومعها الدول العربية تضيع وقتاً ثميناً كان عليها ان تستغله لتعيد حساباتها وسياساتها من عملية السلام، لان اسرائيل تقولها صراحة، انها لا تقبل بالسلام بل تقبل باعادة احتلال الاراضي من جديد، وبعدها يمكن البدء في مفاوضات ماراثونية وان على العرب نسف الاتفاقات الموقعة سابقاً لأنها اتفاقات أخطأت فيها اسرائيل وحان الوقت لتصحيح الخطأ وما يؤكد هذا التحليل هو رفض المبادرة مع ان المبادرة واضحة، فلماذا لا تنسحب اسرائيل مقابل الحصول على السلام؟ هنا المشكلة فاسرائيل لا يمكنها ان تغير جلدها لانها لا تستطيع وما دام انها بنيت على الخطأ فلا يمكن اصلاح هذا الخطأ مهما بذل من جهد، ولأجل ذلك على العرب البحث عن بدائل لخلق نوع من التوازن، والولايات المتحدة الامريكية قد انتهى دورها كدولة تمارس الرعاية النزيهة للمفاوضات. على الدول العربية البحث عن البديل لاحداث التوازن، ويمكن تحقيق ذلك اذا نجح العرب في اقناع دول الاتحاد الاوروبي والصين وروسيا بلعب دور اكبر ومؤثر على الولايات المتحدة الامريكية وبدور فاعل وحاسم في المنظمات الدولية اما ما يفكر فيه الكثيرون بأن على العرب اختيار بدائل عسكرية فاعتقادنا اننا لم نصل بعد الى مرحلة الجاهزية التي تجعلنا نواجه قوة عسكرية اقليمية تجد كل الرعاية من القوة العظمى.. والدول العربية تعرف مسبقاً ذلك.. اذا يجب التفكير من الآن في البدائل السياسية والدبلوماسية، مع محاولة اعادة النظر في السياسة العربية حيال الولايات المتحدة الامريكية لتحقيق التوازن في هذه اللعبة الخطرة التي تلعبها اسرائيل. ـ كاتب جزائري