لو لم نخرج من القمة سوى بمشاهدة القبل التي تبادلها الامير عبدالله ولي العهد السعودي ونائب الرئيس العراقي عزت ابراهيم لكفى ، والمفرح ان الامر امتد لمصافحة تاريخية بين رئيس الوفد الكويتي، ورئيس الوفد العراقي في مشاهد مؤثرة ابكت البعض وصفق البعض الآخر لها بحرارة، ونستطيع ان نعلن الان نجاح قمة بيروت نسبيا، ولعلها تكون بداية منعطف تاريخي لاسلوب جديد من الاجتماعات لاخراجها من حالة الجمود التي اصطبغت بها خلال السنوات الخمسين الماضية. لا أعلم من الذي ابتدع بدعة سيئة لاحقت كل اجتماعات القمة والذي اصر على ان يتم صياغة البيان الختامي قبل جلوس المؤتمرين حول طاولة الاجتماعات، فهذا التقليد ظل متبعا لسنوات طويلة تتوارثه اللجان المنظمة وكأنه حقيقة مطلقة او قدر مكتوب محتوم لا يمكن التخلص منه او تغييره، فلنجرب ان نجعل البيان الختامي كما هو واضح من اسمه ختاما للاجتماعات وليس فاتحا لها لعلنا نخرج بشيء يرضي الشعوب المقهورة التي مازالت مشعلة شمعة الامل رغم فشل كل الاجتماعات السابقة. كان الأمل ان يمتد هذا النجاح النسبي ليدمغ البيان الختامي بفقرات تنص على فتح الحدود البرية والبحرية والجوية مع العراق وتسيير الرحلات الجوية اليها، وكسر حالة الحصار التي يعاني منها هذا البلد، وكان من الاجدى ايضا لو تم التهديد بفتح حدود الدول المحيطة بفلسطين للمجاهدين ـ حتى ولو كان تهديدا فقط ـ حتى تشعر تل ابيب بصدق المجتمعين في بيروت وبوصولهم الى مرحلة (القرف) التي تجبرهم على القيام بعمل قد تصفه بالاهوج. هل سنكتفي بتبادل القبل ثم المغادرة وانتظار ما سيحدث ؟ في ليلة الاثنين الماضي، رن الهاتف في منزل أرييل شارون وكان على الطرف الآخر من الخط نائب الرئيس الامريكي ديك شيني محاولا اقناع رئيس الوزراء الاسرائيلي بالسماح لعرفات بحضور مؤتمر القمة العربي في بيروت، ولكن محاولته باءت بالفشل، فقد كانت واشنطن تأمل بأن يتبنى القادة العرب المبادرة السعودية لاخراج المنطقة من النفق المظلم الذي وجدت نفسها فيه وكسر حلقة العنف والعنف المضاد، ولكن فشلها في هذه المهمة اجج السخط العربي واخرجها من دورها الريادي في المنطقة الذي ملك ناصيته الجنرال أرييل شارون. أعلن هذا الجنرال الحرب على الفلسطينيين ضاربا عرض الحائط باجتماع العرب وتوسلات الامريكان، وجاء الرد قاسيا مؤلما في عملية استشهادية قادها الشاب عبد الباسط عودة ليسحب انتباه وسائل الاعلام الى فندق متوسط في شارع مزدحم في ناتانيا تم تدمير مدخله بانفجار قوي أودى بحياة المحتفلين بعيد الفصح اليهودي. لم يكن القرار الاسرائيلي باحتلال رام الله وحصار مقر عرفات وتدميره اعتباطيا، بل الهدف منه حصر الامر في شخص ياسر عرفات، وكما توقعت القيادة الاسرائيلية جاءت الاتصالات والوساطات والتوسلات للابقاء على حياته، وكأن القضية الفلسطينية برمتها اجتمعت في شخصه، فمن يتابع السياسة الاسرائيلية خلال السنوات الخمسين الماضية يعلم ان السياسة الاسرائيلية تقوم على تجاوز الخطوط الحمراء ودفعها الى الداخل قدر الامكان ومن ثم التفاوض من جديد. خاضت اسرائيل كل حروبها السابقة مع العرب لدفع هذه الخطوط الى الداخل، فكانت تطالب بمساحة صغيرة لانشاء وطن قومي لليهود، ثم حاربت واحتلت الضفة والقطاع وفاوضت، ثم احتلت سيناء والجولان وفاوضت، وتكرر احتلالها لمناطق السلطة الفلسطينية لتتفاوض من جديد على شروط تضعها هي، ودفعت يوم امس بتلك الخطوط الى الداخل قدر استطاعتها لتهدد ابو عمار شخصيا، وستجلس للتفاوض، وسينسى العرب فلسطين كلها وسيتفاوضون مع شارون على فك الحصار عن المبنى الذي يتحصن فيه ابوعمار وستتقلص فلسطين لتكون مقر ياسر عرفات. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»