كيف انتهت قصة حصار عرفات وطاقم منظمة التحرير في بيروت؟ انتهت الى كارثة. ففي مقابل فك الحصار أجبر عرفات على دفع ثمن باهظ بقبول شروط في مقدمتها تصفية وجود المنظمة عسكريا ، واداريا على الاراضي اللبنانية.. بما في ذلك مغادرة الكوادر القيادية ومعهم القوة العسكرية للمنظمة المكونة من عشرة آلاف مقاتل لتشتيتهم في أركان العالم العربي الاربعة. والسؤال الذي يطرح هو: هل يختلف مشهد رام الله اليوم عن مشهد بيروت بالأمس؟ نعم. في لبنان كانت منظمة التحرير الفلسطينية تقيم في أرض غير فلسطينية، بينما يقيم عرفات ورفاقه ومعهم فصائل المقاومة الشعبية داخل ارض الوطن الفلسطيني. حتى عام 1982 عندما اضطر عرفات الى مغادرة الاراضي اللبنانية نهائيا كان قد أمضى هناك 12 عاما. وبينما دخلت منظمة التحرير الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975 كحليف للقوى الوطنية الاسلامية ضد المليشيات المسيحية، فان الاجتياح الاسرائيلي الوحشي الكاسح للبنان عام 1982 بقيادة ارييل شارون، مسنودا بدعم امريكي وتواطؤ عربي أفضى الى اجماع لبناني تبلور على اساس قناعة بأن انقاذ لبنان يتطلب بالضرورة حمل عرفات على تصفية وجود منظمة التحرير الفلسطينية في الارض اللبنانية. لقد وجد عرفات نفسه غريباً في ارض «اجنبية» ـ اذا صح التعبير ـ اصطف قادتها متناسين خصوماتهم وتناقضاتهم ليقولوا له انه ليس مرغوبا في استمرار بقائه. أما الان فان عرفات في رام الله زعيم فلسطيني في ارض فلسطينية وبين شعبه فليس واردا بحال من الاحوال ان يجبر هو أو تجبر فصائل المقاومة على المغادرة. واذا كان هناك اي تشابه بين حالة الحصار في بيروت قبل عشرين عاما وحالة الحصار في رام الله فانه تشابه شكلي. ففي رام الله كما في بيروت سابقا يتعرض مقر عرفات لقصف اسرائيلي.. والهدف هو عرفات نفسه ومن معه من الرفاق. لكن التشابه يتوقف عند هذا الحد. فالبيئة السياسية المحيطة بعرفات اليوم في رام الله هي نقيض البيئة السياسية التي أحاطت به في بيروت الثمانينينيات وهو يتنقل سريعا من بناية الى اخرى ليتقي استهدافا اسرائيليا في البر والبحر والجو. البيئة السياسية الراهنة المحيطة بعرفات تبدأ بالدائرة المحلية الضيقة التي تفضي الى دائرة عربية اوسع ودائرة عالمية اكثر اتساعا. على الصعيد المحلي يجري تصعيد فلسطيني يومي للعمليات الاستشهادية داخل العمق الاسرائيلي ليطال مدينة اسرائيلية تلو اخرى. وعلى الصعيد العربي يتسع على نحو يومي الغليان الشعبي في العواصم العربية ناشرا مشاعر الفزع في صفوف بعض الطبقات الحاكمة. وعلى الصعيد العالمي يزداد على نحو يومي عدد الحكومات التي تشجب الحصار الاسرائيلي للرئيس الفلسطيني على خلفية مظاهرات في عواصم الغرب تعلن التضامن مع الفلسطينيين وزعيمهم. في بيروت الأمس كانت الصورة مختلفة تماما. فمع تراجع القوى الوطنية اللبنانية عن تأييدها لعرفات ومنظمة التحرير، كانت كوادر المليشيات المسيحية، وهي مزودة بآلات رصد محمولة ذات تكنولوجيا عالية بواسطة الاسرائيليين، تقوم بدور المرشد على الارض للطائرات الاسرائيلية وهي تتحرى اماكن وجود عرفات في تنقله من «بدروم» الى اخر. ولولا اللطف الالهي لكان خليقا بقذيفة ما ان تصيب الهدف رغم سرعة تحركاته. لذا كان ختام المشهد في بيروت كئيبا. فقد خرج عرفات من لبنان محبطا كسير النفس. فلبنان كانت المنفى الثاني بعد الاردن لمنظمة التحرير.. فكان الخروج الاجباري منها ايذانا بعملية بحث عن منفى ثالث. لكن الان في رام الله فان المزاج مختلف تماما. فعلى الرغم من ان القوات الاسرائيلية تحكم حصارها على مقر عرفات، الا ان اسرائيل باتت بالمعنى السياسي رهينة في يد الزعيم الفلسطيني. فليس بوسعها ان تضع نهاية لحياته دون ان تخاطر بانفتاح ابواب الجحيم.. وليس بوسعها ان تفك الحصار دون ان تخاطر بفقدان هيبتها.