ربما اضفت بيروت على القمة العربية نكهتها الخاصة، فقيادات الامة العربية التي معظمها مسلم، التأمت في بيروت برئاسة رئيس مسيحي، وذلك رمز له دلالاته على الاقل، في زماننا الحاضر الذي انقسم فيه الكثيرون الى اكثر من فسطاط! وربما اتاحت بيروت سقفها العالي في الحريات والمناقشات ومنحته للمجتمعين، فهيأت لهم مساحة من الاختلاف، والانسحاب والتراجع، والحلول الوسطى. ولعل اهم حل وسط هو بيان بيروت الذي ظهر ايضا أنه بفسطاطين، واحد يعود الى الحديث القديم المتمثل في الجرس اللفظي العالي، وآخر يتساوى فيه اللفظ والقدرة، ويقرن النية بالعمل، وسيأخذ كل من يريد اثبات رأي له من هذا البيان ما يخصه، فإن كان متشددا وجد ضالته، وان كان واقعيا وجد ما يستند اليه. إلا ان الاوهام التي صاحبت انعقاد القمة في بيروت كثيرة، وقد كبرت هذه الاوهام بقدر عدد المعلقين، وثورة الفضائيات مدمجة بثقل تراثي هائل من نظريات العرب السياسية التي كانت تتداول في المقاهي. ولعل العاصفة الرعدية التي زامنت وصول الزعماء العرب الى مطار بيروت الجديد انذرت بنذر العاصفة السياسية التي هبت بعد ذلك، فتبين ان العواصف الطبيعية كانت اكثر هدوءا من العواصف السياسية التي لحقتها، او العواصف التي قد تأتي. من الاوهام التي سقطت القول الذي تردد منذ ان اعلن الامير عبدالله بن عبدالعزيز افكار المبادرة، فقد تبرع كثيرون بالقول وآخرون بالتصديق بأن هناك «صفقة» طرفاها ايجاد دولة فلسطينية في مقابل «تغيير في العراق» (!)، وما ساءني بجانب التبسيط الساذج في مثل هذا القول انه قد انتشر بحسب عدد المعلقين المطلعين على الامور (!). وقد تبين الان ان تلك السذاجة المغلفة بالوهم لا مكان لها في الواقع، فالدولة الفلسطينية ليست هدية ملفوفة تنتظر من يلتقطها، ولا التغيير في العراق او عدمه اجندة عربية في الاساس. من الاوهام التي صاحبت القمة ايضا وهم القدرة العربية او حتى الامريكية على اخراج ياسر عرفات من سجنه الاسرائيلي، فقد صرح احد ثقات السلطة الفلسطينية قبل ايام من انعقاد القمة بأن السلطة الفلسطينية غير ملزمة بما تقرره القمة إن لم يحضر ياسر عرفات شخصيا الى مقر انعقادها، وكان ذلك وهما مركباً، وبيانا خاطئا للناس وسوء قراءة للواقع، فمن المضغوط عليه هنا، خصوصا انه ليس في مقدور العرب ولا غيرهم فك الحصار في ظل معادلة القوة الحالية؟ اما الوهم الاكبر فهو المطلوب عربيا من الولايات المتحدة، وهو مطلب ذو اتجاهين متناقضين تماما، الأول هو الضغط على اسرائيل وارغامها على تقديم تنازلات والتوسط النشط في الوصول الى تسوية، بل ارسال مراقبين امريكيين الى الارض الفلسطينية والثاني عكسه تماما، ويتمثل في تحذير امريكا من الاقتراب من العراق والتدخل في امره، وهو امر ـ في تقديري ـ يحتاج الى اعمال فكر، فعلى رغم العلاقة الممتازة بين الولايات المتحدة واسرائيل يصبح من الخطأ السياسي ان نعتبر اسرائيل، وخاصة في ظل حكومتها الحالية، رهن اشارة البيت الابيض، فالمصالح هنا ليست متطابقة وان كانت متقاربة. لعل الاوهام لا تقتصر على الطرف العربي، فالطرف الاسرائيلي وايضا الامريكي لديهما وهم كبير بأن ياسر عرفات قادر على التأثير الكامل في سائر الاطراف الفلسطينية في الداخل، وهو ما يناقض صراع القوى الداخلي المشهود والمسموح، فياسر عرفات ومجموعته تقل قدرتهم على التحكم في الاطراف الفلسطينية المنافسة كلما ضاق الخناق عليهم، ولا يستطيع عاقل ان يتصور ان هناك عصا سحرية يمسك بها عرفات في يده، ويهش بها على بقية الفصائل فتطيع وتلتزم، مثلما لا يمكن ان يتصور لجم المتشددين الاسرائيليين كافة في لحظة واحدة، بل سيظل بعض من الانفلات لدى كل من الطرفين، يضيق نسبيا كلما سارت الامور الى الاحسن، ويتسع اذا سارت الامور عكس ذلك. ولعل هذا الامر قد اكتشف من قبل امريكا، فلم ينسحب المفاوض الامريكي بعد عملية نتانيا، على الرغم من الاتهام المباشر الذي وجهته حكومة شارون لياسر عرفات، حيث ان المعرفة باتت واضحة في ان هناك صراع ارادات في داخل فلسطين. ولعل الوهم الذي اكتشفه الفلسطينيون فعملوا به بعض الوقت وتجاهلوه اكثر الوقت، هو ان العرب غير قادرين على تحمل حربهم الطويلة من اجل الفكاك من الاحتلال، ولقد خبروا ذلك مباشرة في عمان وفي بيروت، واضطروا الى المداورة والمناورة، وفوتوا فرصا، وقرأوا بعض الاحداث قراءة معاكسة. ولعل موافقتهم على المبادرة الاخيرة الى ابناء عمومتهم هي احد الاعمدة التي يعودون فيها من جديد لابناء العمومة، الذين يمكن ان يقدموا مؤتلفين جزرة للاسرائيليين تغريهم ببعض المغريات النفسية والمادية، ليفكوا حصار الارض التي احتلت والبشر الذين اضطهدوا. والبعد العربي لم يكن اكثر وضوحا ودلالة وايجابية منه اليوم، فقد تعود الاباعد رفع عقيرتهم بالنضال لانهم في مأمن من نار الاحتلال والمعاناة، وكانت المزايدة سهلة وغير مكلفة.. إلا ان الامر اليوم اضحى قريبا من اصابع الجميع. غير ان المهم الا يقرأ الفلسطينيون ما حدث في بيروت قراءة خاطئة، فقد يكون الموقف خطيرا للعرب «مجتمعين»، ولكنهم يستطيعون «فرادى» أن ينقذوا جلدهم في الغالب بعيدا عن القضية، وهو ما يقودنا الى ان الفرصة الاخيرة لعمل «جماعي» عربي ـ ولو شكليا ـ هي فرصة ما بعد بيروت، ولابد من التعامل معها بمسئولية. ولعل الوهم الاخير ان يفهم العراق انه بموافقته على مبادرة سلمية وبعض المصالحات سيخرج نفسه من دائرة الخطر، فالمستحقات المترتبة على العراق انما هي دولية وليست اقليمية. واذا كان موقف العراق الاخير في القمة مقدمة لقبول التفتيش الدولي والاذعان لتنفيذ بقية القرارات فذلك خير، أما اذا كان مجرد مناورة ـ مثل المتوقع ـ فهو لايزال في دائرة الخطر. هل نجحت القمة ام فشلت؟ ذلك هو السؤال الخطأ لأنه من جديد يوقعنا في التبسيط المخل، بل ان نجاحها هو في دفع القسم الثاني من بيانها، وهو المبادرة الى آفاق يمكن ان تتحقق، وفي ذلك صعوبات جمة، كما ان أمامه عملا كبيرا، يرتبط بأطراف اربعة هي المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا والاردن، والامر يعتمد على قدرة هذه الاطراف وبالتنسيق مع الفلسطينيين، وخاصة السلطة، وعلى تحرك ناجح وديناميكي على المستوى الدولي، مع قدرة على ضبط امر الداخل الفلسطيني عند اللزوم، بهذه الوسائل فحسب يمكن تحقيق اهداف المبادرة السلمية، إلا ان السؤال يبقى قائما وشرعيا: ماذا لو فشلت المساعي؟ بعد الاحداث الدامية في الحادي عشر من سبتمبر 2001، سيكون من الخطأ الجسيم الركون الى السياسات السابقة نفسها التي كانت في مجملها تتسم بكثير من اللامبالاة، او ترك الامور على منوالها، وانتظار الزمن، لعله يقوم بفعل شيء. فالزمن الراهن هو زمن آخر.. يحتاج ـ باليقين ـ الى افكار اخرى! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت