ومازال الارهاب الصهيوني ضد اخوتنا في فلسطين مستمراً، كما مازالت الولايات المتحدة التي تسمي نفسها الدولة الاولى الراعية للسلام تنظر الى هذا الارهاب والى تلك المجازر، على أنها دفاع مشروع عن النفس، في الوقت الذي يصف فيه كبار ساستها مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال بأنه ارهاب موجه ضد الابرياء وضد الانسانية، وكأن الانسانية لا تشمل سوى اليهود فقط، بينما لايزال الموقف العربي الرسمي من قبل معظم الانظمة يراوح في مكانه بين الإدانة والشجب والتحذير!! بارك الله في انظمتنا العربية التي سكتت دهراً، ثم انتفضت فجأة حاملة سيوف نخوتها لتعلن عبر صحفها الرسمية أنها (تحذر اسرائيل)، او (تحذر شارون)، أو (تأسف لموقف امريكا المؤيد)، وتطالب بعدم المساس بسلامة الرئيس ابو عمار، وكأن فلسطين وشعبها المحاصر قد اختصرت في شخص أبي عمار في محاولة لحرف القضية عن مسارها الكبير. يبدو واضحاً اتساع المسافة بين الشعوب والأنظمة، ففي الوقت الذي يغلي فيه الشارع العربي والجامعات والمساجد ومدارس الاطفال غضباً مما يجري على ارض فلسطين، تكتفي انظمتنا العتيدة بالتحذير والتهديد، بدل ان تضع حزمة السفراء والدبلوماسيين الصهاينة في اول طائرة وترمي بهم الى حيث اتوا اطفاء لذرة غضب واحدة تشتعل في قلوب الملايين، لقد اتسعت المسافة بين الانظمة وشعوبها، وهي تتسع في كل مرحلة وفي كل لحظة يصر فيها الكيان الصهيوني على وضع قدميه على اعناقنا بينما تصر بعض الانظمة على مد يد السلام له اثباتاً لحسن النوايا!! ان هذه المرحلة التي نعيشها جميعاً هذه الايام، وجنود الجيش الصهيوني يعبثون بكل القيم الانسانية والدولية والدينية، لا تحتاج إلى مراهنات غبيّة او خاسرة لاثبات حسن النوايا، فنحن نتعامل مع عدو نعرفه جيداً، ونعرف الذهنية التي ينطلق منها ويبني عليها تحركاته واستراتيجياته، والسلام هو آخر استراتيجية او خيار يمكن ان يلتزم به هذا العدو، نحن نعرف ذلك يقيناً، لكننا لسبب او لآخر نمارس عملية كذب مكشوفة على ذواتنا وشعوبنا تهرباً من مسئولياتنا لا اكثر، والمرحلة لا تحتاج هروباً الى الامام ابداً، بقدر ما تحتاج الى وقفة حازمة، وواضحة مما يجري، لانها ان لم تكن اليوم فلن تكون ابداً! ان القضية ليست انقاذ عرفات من أزمته الراهنة فقط، انها انقاذ شعب عربي بأكمله من محنته، وانقاذ وطن من أسره، وانقاذ مقدسات تنتهك يومياً وعبر عقود من الزمن، القضية ليست تبادل هواتف للاطمئنان على صحة الرئيس، فالرئيس ذاهب والاوطان والشعوب باقية، وقضايا الشعب الفلسطيني والعربي بشكل عام كثيرة وكثيرة جداً، وتحتاج الى حركة مصالحة وطنية او تصحيح على نطاق قومي واسع في اطار العلاقة بين الشعوب والنخب الحاكمة، حتى لا يكون السلوك العربي العام وردات الفعل مجرد حالات طارئة وعاطفية، ولذلك فنحن كشعوب بحاجة ماسة لتأصيل العلاقة في اطار انظمة وقوانين ودساتير ومؤسسات مجتمع مدني كثيرة. الفلسطينيون يعانون اليوم، ودائماً ما يعانون ـ من الحصار والارهاب الصهيوني، ويطالبون بدولتهم وعاصمتهم وحقهم في العودة وحقوقهم في وطن مستقل، وللعرب مع اسرائيل قضايا حدود ومياه وأسرى ومعتقلون وسيادة واراض محتلة و.. الخ، كل هذه القضايا المعلقة تحتاج الى استراتيجية حل ومعالجة وليس الى مزايدات ومراهنات او مبادرات تموت قبل ان تولد!!