كان ذلك منذ سنوات ليست بالقليلة.. الفقير كاتب السطور كان في زيارة عمل الى بلد عربي-أفريقي استغرقت وقتها عدة أشهر.. ما أن حططنا الرحال ورتبنا المتاع في مكان الاقامة، وكان والحق يقال مما يصدق عليه وصف «سقط المتاع» أو عبارة «حطام الدنيا» حتى انطلقنا، بحمية شباب واندفاع فضول الى استجلاء معالم المدينة العربية الجميلة الواقعة على ضفة البحر المتوسط. كانت المدينة لا تزال يوم حللنا بها تحمل طابع النظام السياسي القديم الذي كان يحكمها بضع عشرة سنة متأثرة كانت بانتمائها المتوسطي مما أضفى على لافتات محلاتها وربما أسماء شوارعها شعارات ومسميات أوروبية شرع النظام السياسي الجديد في ازالتها والاستعاضة عنها بشعارات ومسميات مستقاة ولا فخر من تراث أهل ديرتنا، بني اليعاربة الميامين. استرعى ناظر العبد لله لافتة أحد المحال الكبرى وكان يعرض في واجهته أفخر أنواع الملبوسات ويحمل اسمه القديم البالغ الشياكة وهو: «سامادكو» يومها ظللت أسائل النفس بقدر غير محسود من التأمل الفلسفي العميق.. ترى ماذا تعني كلمة سامادكو هذه؟ ومن أي لسان أفرنجي اشتقها أصحاب الدكان الفاخر الأنيق؟ وعبثا كانت محاولات التماس الجواب.. ولم تسعفنا معلوماتنا اللغوية وقد كانت قليلة وقتها- وربما ما برحت كذلك - في أن نفهم حكاية سامادكو هذه من قريب أو من بعيد. وإن هي إلا أيام قلائل حتى أصدر النظام السياسي الجديد في البلد اليعربي - الافريقي قراراته بانزال لافتات الأسماء الأفرنجية ورفع شعارات ومسميات ولافتات عربية بدلا منها.. وبمنطق كان مزيجا - بصراحة - من الفضول.. والتشفي ذهبنا نستطلع ما حل بالمتجر الفاخر الذي استعصت أسعاره الفادحة على ميزانية بدل السفر المستضعف الذي كنا نتقاضاه عن مهمتنا السياسية اياها.. فماذا وجدنا؟ هاهي اللافتة القديمة وقد أنزلوها من عليائها باسمها الافرنجي - سامادكو لتحل محلها لافتة جديدة من ثلاث كلمات ليس إلا في قاموس اليعاربة وهي: محلات.. عبدالصمد وكأن المسألة برمتها كانت أن المواطن اليعربي السيد عبدالصمد بن فلان الفلاني.. ترجم اسمه الكريم واسم شركته العتيدة الى صمد كومباني ثم اختصرها بعد تخفيف الصاد اليعربية الى سين موسيقية رقيقة وأنيقة والحق بها طبعا مقطعا من كلمة شركة في لغات الفرنجة فإذا بها - كما أسلفنا - سامادكو واذا بها تطوح بنا الى فيافي الفكر وبوادي التأمل بغير طائل أو جدوى واذا بالملعوب اللغوي يتكشف واذا بنا نستمتع - عَلِم الله - بأكبر قدر من التشفي.. الصبياني - إن شئت - حين علمنا أن المقصود من هذا كله كان اسم الأخ عبدالصمد وأن المسألة لم تكن لا أناقة ولا حداثة ولا فتاكة ولا ثقافة أوروبية.. ولا أي حاجة أبدا.. وإنما كانت ببساطة - مرة أخرى - هي عبد.. الصمد وهو اسم كلاسيكي عتيق منحوت كما نراه من تراث البوادي والحواري وشعاب الريف الجواني في وطن اليعاربة، إن أتينا على ذكره فقد يلوح في الخاطر هيئة فلاح غلبان أو حرفي لا يكاد يملك قوت اليوم أو بالكثير الكثير.. شكل موظف في أدنى درجات السلم الحكومي أو مواطن من أهل الجيل الماضي.. ونادرا ما تصادف نجما سينمائيا أو سفيرا ممتازا أو دكتورا لامعا يحمل اسم عبدالصمد أو دقدق أو سنقر.. تماما كما يندر أن تصادف مثلا - نجمة شهيرة أو استاذة أريبة أو وزيرة خطيرة تحمل اسماء غربت شمسها من قبيل: كايداهم أو ست الدار أو ست أبوها أو زنوبة أو فتكات وما الى ذلك بسبيل.. ولسنا ندري هل توجد هيئة أو جهة في وطننا العربي تعكف على رصد التطورات التي تعتري اختيار الأسماء والألقاب والأوصاف والشعارات في لغتنا العربية وهي تطورات تخضع بداهة لمنطق المحو والاثبات - منطق الابدال والاحلال والذي ندريه أن في أمريكا مثل هذه الهيئة وتحمل اسم: جمعية اللهجة الأمريكية وهي معنية برصد تطور اللهجة أو الرطانة التي تروج على ألسنة الأمريكان في حال استخدامهم اللغة الانجليزية وتتألف الجمعية من فريق من العلماء والباحثين اللغويين والاعلاميين المهتمين بشأن التطور اللغوي وهم يهتمون بمتابعة ما يضاف الى متن الانجليزية - الأمريكية من ألفاظ مستجدة يفرزها ويضيفها تطور الأحداث العامة التي يشهدها مجتمع الولايات المتحدة، فضلا عن عمليات «استدعاء» الكلمات القديمة المستقرة في عمود اللغة لكي تؤدي ادوارا جديدة ربما تكون بعيدة عن دلالاتها التي طالما اصطلح عليها أهل اللغة الانجليزية احقابا وقرونا انقضت من عمر الزمان. والمثير للاهتمام أن جمعية اللهجة الأمريكية نصبت نفسها بوصفها المصفاة أو الدائرة الجمركية اللغوية التي تنفذ من خلالها الكلمات والتعابير الجديدة التي تضاف الى بنية اللغة وتتم هذه العملية من خلال اجراءات للتصويت التي يسمح فيها أعضاؤها - وقد لا يسمحون - بعبور ودخول هذا اللفظ أو ذلك المصطلح لكي يطرح من بعد في حيز الاستخدام. آخر أخبارهم أن التأم عقد جمعيتهم العمومية وتم التصويت على دخول تعابير جديدة باتت تتخلل - بل فرضت نفسها - على سياق الخطاب اللغوي العام. وفي مقدمتها تعبير 11 سبتمبر اشارة الى حدث التفجير - التدمير الذي شهده ذلك اليوم.. وبعده - تقول نيويورك تايمز - رشحوا تعابير ومصطلحات جديدة من قبيل: المنطقة صفر (غراوند زيرو) وتشير الى موقع تفجير برجي المركز التجاري في الطرف الأدنى من جزيرة مانهاتن في نيويورك - التمييز الوجهي - والمقصود هو التمييز (وربما الاستعداء) على أساس ملامح الوجه وفي عبارة واحدة: ملامح سيادتك تبدو شرق أوسطية.. يعلو تقاطيعك عارض من سمرة مع سواد العيون وكثافة الحواجب ودكنة الشعر.. فإذن أنت - ولا تزعل - إرهابي (راحت إذن أيام التغزل في السمرة المحببة وفي سواد العيون وفي الشعر الحالك المسترسل!). - موجات الركام (دبري سيرج) أو فلنقل مَدّ الحطام المتخلف عن كارثة هدم وانهيار البرجين العملاقين مع ما تخلف عن ذلك من خسائر بشرية وضياع لمعادن نفيسة وأموال طائلة ومنقولات ومعدات لا تكاد تقدر بثمن وسط الدمار والسعير وسحابات الغبار.. الخ. والأمريكان يعتزون كثيرا بأشهر قواميسهم اللغوية وهو - كما لاشك تعرف - قاموس وبستر الذي عكف على اعداده وتجميعه وتصنيفه نوح وبستر ثم نشره عام 1828 وبعده تكونت شركة ميريام وبستر عام 1831 لتكون واحدة من أقدم مؤسسات نشر القواميس في العصر الحديث وأهم ما عكفت عليه هو مواصلة تحديث وتزويد قاموس وبستر ليظل مرجعا يحيل اليه الباحثون ومستخدمو الانجليزية بل وتعتمده المحاكم لدى البت في تحرير المصطلحات والاستخدامات اللغوية وما تنصرف اليه دلالات الألفاظ التي قد يثور حولها خلاف بين أطراف المتقاضين. ومع حلول شهر ابريل من هذا العام تطرح في الأسواق الطبعة الرابعة من معجم التراث (اللغوي) الأمريكي وهي تصدر متأخرة بعض الشئ وهو تأخير عمد اليه وتحمّل تبعاته محررو هذه الطبعة التي تصدر في مدينة بوسطن - العاصمة الثقافية للولايات المتحدة. وسبب التأخير هو رغبة القائمين على طبعة المعجم الجديدة في اللحاق بآخر الألفاظ المصطلحات التي أسفرت عنها أحداث الحادي عشر من سبتمبر. في هذا الصدد يعلن ستيف كليندلر وهو كبير محرري القاموس الجديد المرتقب قائلا: لقد نسينا كما نسى الناس كلمة «تشاد» وهي في الأصل قطعة ورق صغيرة يتم ثقبها آية على الفراغ من التصويت في اقتراع الانتخابات العامة. وكم شغلتنا - كما شغلت الناس كلمة «تشاد» هذه خلال الهرج والمرج والجلبة التي أحاطت باحصاء أصوات الناخبين بولاية فلوريدا في أعقاب السباق الرئاسي الذي كان محتدما بين المرشحين آل جور الديمقراطي وجورج دبليو بوش الجمهوري. لقد نسى الناس هذا كله بعد أحداث سبتمبر ونسينا نحن كلمة تشاد وأودعناها طبعة معجمنا الجديد دون أدنى اكتراث.. لماذا؟ لأن ثمة كلمات وتعبيرات حلت محلها.. وفرضتها الأحداث الأخيرة على بؤرة اهتمامنا ومحور اهتمام مستخدمي اللغة الانجليزية في أمريكا - كلمات من قبيل: طالبان.. حوالة.. مدرسة.. وهابية.. وبوركا (بمعنى البرقع أو الحجاب والخمار مما ترتديه الأفغانيات). أرأيت إذن أن الكلمات مثل البشر لكل منهم وقت وأوان.. ولكل منهم دولة تدول وتحولات زمان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام؟