كعادتنا في جلد الذات والتشكيك في جدوى العمل العربي المشترك، راح البعض من كتابنا إلى نزع المصداقية السياسية عن القمة العربية مبكرا، وإلى إتهام بعض الملوك والرؤساء العرب، الذين تخلفوا فجأة عن حضورها بالخضوع كالعادة للضغوط الأمريكية وامتناع رئاسة المؤتمر عن إذاعة كلمة ياسر عرفات في الجلسة الافتتاحية، على أنه في المحصلة النهائية سوف نلاحظ العديد من المكاسب القومية التي تحققت بشكل مباشر، لعل في مقدمتها مجرد عقد القمة الدورية في موعدها، استثمارها في التأكيد على عروبة لبنان، خاصة وأن الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ثم إستمرارية الإحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني من بعد 19 عاما متصلة، لم يمنع المقاومة اللبنانية بزعامة حزب الله من دحره وتراجعه إلى المستوطنات الشمالية. والشاهد أن هذا الإنتصار الشعبي المحقق، كان له دوره المباشر في تثوير الشارع اللبناني وطنيا وقوميا ودينيا، وتجاوزه للمفاهيم الطائفية العميقة، الأمر الذي مكنه من الإطلاع بالكثير من متطلبات الصراع مع إسرائيل، في أعقاب إنهيار تنظيمات العماله اللبنانية لإسرائيل أو إرتدادها إلى الصف الوطني. وإذا كانت القمة العربية قد أولت الإنتفاضة الفلسطينية دعمها السياسي والمادي، إلا أن الشيخ حسن نصر الله زعيم حزب الله حذر مسبقا من خطورة المفاوضات العربية الإسرائيلية المرتقبة حول تفعيل المبادرة السعودية لأنها يمكن أن تؤدي إلى شل المقاومة الفلسطينية أو استبعاد خيارها المسلح لتحرير الأرض المحتلة، ومما لاشك فيه أن وزن وفاعلية المقاومة الفلسطينية قد وصل إلى ذروة التأثير المباشر على المجتمع الإسرائيلي ومؤسسته العسكرية عبر إنتهاج أساليب العمليات الاستشهادية بنجاح متواصل، فلم يعد بوسع إسرائيل توخي الضربات الاستشهادية سوى عبر الأساليب الانتقامية النازية الوحشية بلا طائل، وهكذا وقر في الضمير العربي معادلة سياسية صحيحة مفادها أن إستعادة الأرض السليبة والحقوق العربية المشروعة مرهون بإستمرار الإنتفاضة فحسب . أيا كانت مكاسب قمة بيروت وتنوعها، يظل العراق الفائز الأكبر من جملة نتائجها، وكان قد سبق القمة نشاط ديبلوماسي عراقي محموم، شمل معظم العواصم التي زارها ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي لتوزيع الأدوار والتعليمات الخاصة بالضربة العسكرية الأمريكية الوشيكة للعراق، ونجحت كما لم يتوقع أحد في تعرية الخطة الأمريكية من أي جدوى سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، بعدما تكشفت النوايا الأمريكية المبيتة لإعادة رسم خريطة المنطقة سياسيا وعرقيا، وإعادة البحث بالتالي في ملفات الهوية ومدى شرعية نظم الحكم الراهنة، ومنذ أزمة الخليج الثانية لم تنقطع الدعوات بإخلاص وتجرد والتأكيد على أن أبسط مبادئ العمل السياسي الثوري اعمال فضيلة نقد الذات على غرار بيان 30 مارس الصادر عن جمال عبد الناصر في أعقاب نكسة يونيو 1967. ومن هنا نحسب أن الجهد الدؤوب الذي بذله عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية لتطوير ما يسمى بالحالة العراقية الكويتية، وكذا مرونة وسماحة نائب الرئيس العراقي عزة إبراهم والأمير عبد الله ولي عهد السعودية، إنتصارا للعقلانية العربية ولطمة لأمريكا، ومدخلا لتصفية الخلافات العالقة والولوج إلى تطوير العلاقات العراقية الخليجية، وعلينا إذن العمل على صيانة هذه المكاسب القومية والبناء عليها إيذانا بموقف عربي متاح وممكن لفك الحصار الدولي حول العراق ونهاية 12 عاما من الإبادة والتجويع والإذلال. ـ كاتب مصري