كشفت احداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الامريكية مرة اخرى عن الارهاب الفكري الذي تمارسه الآلة الاعلامية الغربية على عقول الناس والبشر والرأي العام. وبكل بساطة وتلقائية اصبحت كلمة العرب والمسلمين مرادفة للإرهاب، واصبحت وسائل الاعلام بمختلف اشكالها وانواعها تنسج وتخيط صورا نمطية وانظمة فكرية ومعتقدات تجعل من العربي ومن المسلم معاديا للانسانية وللبشرية وللاخلاق وللقيم السامية. والغريب في الامر ان الآلة الاعلامية الغربية لم تطرح اسئلة جوهرية في تعاملها مع احداث نيويورك وواشنطن، اسئلة هامة ومحورية لو طرحت ستساعد من دون شك على اكتمال الصورة الحقيقية لخلفيات الاحداث وتداعياتها. لماذا ضرب الارهاب امريكا دون سواها؟ لماذا لم تتحرك الالة الامريكية الغربية عندما كانت دول مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا والمانيا تأوي ارهابيين من مختلف الدول والجنسيات، تحت ستار اللجوء السياسي وحقوق الانسان وحرية التعبير وغير ذلك ؟ لماذا لم تتفاعل الآلة الاعلامية الغربية مع ارهاب الدولة الذي يمارسه الكيان الصهيوني يوميا على الشعب الفلسطيني؟ وهل تستطيع امريكا اجتثاث الارهاب والقضاء عليه بضرب افغانستان والقضاء على اسامة بن لادن؟ هل تطرقت الالة الاعلامية الغربية للاسباب الحقيقية للارهاب؟ هل تساءلت الآلة الاعلامية الغربية عن من هو الذي صنع ابن لادن والافغان العرب و «المجاهدين» و «الجماعات الاسلامية المسلحة و «الامراء» وغيرهم؟ وهل عالجت وسائل الاعلام التناقضات القائمة على مستوى العلاقات الدولية وعلى مستوى منظمة الامم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والقائمة تطول؟ كيف تجرؤ هذه الآلة على تفريغ قضايا واحداث ومشاكل من محتواها الحقيقي ومن جوهرها، وتركز على الشكل والقشور فقط؟ الى متى تبقى وسائل الاعلام العالمية تتلاعب بعقول الناس وبمصيرهم؟ الى متى تبقى هذه الوسائل تفبرك الواقع وتزيف الحقائق من اجل مصلحة نظام عالمي جائر وحفنة من اباطرة المال والسياسة؟ تلعب وسائل الاعلام دورا رئيسيا في رؤيتنا وتصورنا للآخرين وهذا وفق ماتقدمه لنا من صور وافكار عنهم، وما يقال عن الافراد يقال عن الدول والمجتمعات، فما نشاهده في الافلام وما نتصفحه في الجرائد والمجلات وما نشاهده في التلفزيون وما نسمعه في الراديو عن المجتمعات الاخرى وعن شعوبها، يحدد الى حد كبير موقفنا من هذه الثقافات ومن هذه الدول وشعوبها، نظرا لاعتبارات عديدة من اهمها ان معظمنا يعتمد على وسائل الاعلام لتكوين مخزون معرفي معين وصور ذهنية. وفي الكثير من الاحيان لا يستطيع الفرد ان يصمد امام ما يقدم له وانما في غالب الاحيان يقف مستسلما ولا يقاوم خاصة في الامور التي تخرج عن اختصاصه ومعارفه. لقد اكدت الدراسات العديدة وجود علاقة ارتباطية ايجابية بين الصور الذهنية والنمطية حول الدول وتأثيراتها في العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية فيما بينها. فهذه الصور تؤثر في الرأي العام الذي يؤثر بدوره في صنع السياسة الخارجية نحو هذا البلد او ذاك. واغلب الظن فان الدولة التي تصور بطريقة سلبية وتعرض بصور نمطية وافكار مضللة متحيزة ستجني رأيا عاما سلبيا وبذلك ستكون في آخر قائمة الدول الصديقة والدول التي تتمتع بتبادل تجاري واقتصادي وثقافي معتبر، بل على العكس ستكون في اول قائمة الاعداء الذين تطبق عليهم سياسات التهميش والاحتواء والحصار بمختلف انواعه واشكاله. من هذا المنظور نحاول ان نلقي الضوء على سلوكيات وتصرفات وسائل الاعلام الغربية تجاه العرب. وهذه المسألة بطبيعة الحال ونظرا لاهميتها يجب ان تحظى باهتمام كبير من قبل الساسة العرب واصحاب القرار السياسي لما تحتويه من أهمية استراتيجية. وفي هذا الاطار نلاحظ ان الامة العربية تواجه منذ عقود عديدة من الزمن حملات وتحديات خطرة ترتبط بصورتها القومية في وسائل الاعلام الغربية. والغريب في الامر ان الدراسات التي عالجت موضوع صورة العرب في وسائل الاعلام الغربية جاء معظمها على يد باحثين غربيين، وقلة قليلة من العرب فقط اهتمت بدراسة هذه الاشكالية. وفي معظمها اكدت الدراسات والابحاث العلمية ان وسائل الاعلام الغربية وخاصة الأمريكية، من صحافة واذاعة وتلفزيون وسينما وحتى الكتب، ترسم صورة مشوهة وسلبية وغير صحيحة عن العرب في مختلف المجالات والمضامين، وهذه الصور النمطية تكون في معظم الاحيان نتيجة لافكار مسبقة ولحقد على الامة العربية ولجهل تاريخ العرب وحضارتهم وثقافتهم واخيرا نتيجة للصراع الحضاري بين الغرب والاسلام. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي الآليات والميكانيزمات التي تحكم التغطية الاعلامية للعرب في الوسائل الاعلامية الغربية، وما هي المحددات التي توجه تلك التغطية في هذا الاتجاه أو ذاك؟ اهتمام الغرب بتغطية الشئون العربية ارتبط باكتشاف البترول بالمنطقة والحروب التحريرية التي خاضتها بعض الدول وكذلك القضية الفلسطينية ثم حرب 1967 و 1973م ثم ثورة الحجارة والانتفاضة الأولى والثانية في العقدين الماضيين. وبطبيعة الحال فإن اي تغطية اعلامية تحددها عوامل عدة اهمها العلاقة التي تربط الدول العربية بالدول الغربية في المجال الاقتصادي والسياسي والثقافي.. الخ وكذلك الابعاد الثقافية والحضارية والدينية، فكلما كان هناك تقارب في هذه العوالم كان هناك تفهم للطرف الاخر والعكس صحيح، عندما يسود الجهل والافكار المسبقة والحقد والضغينة. وهذا يعني ان وسائل الاعلام هي مؤسسات تعكس النظام الذي تعيش فيه والتي هي جزء منه ولا تستطيع الخروج منه، وهذا يتمثل في القيم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وهذه القيم قد تتناقض مع مجتمعات وثقافات اخرى كما هي الحال بالنسبة للاسلام مثلا. ووسائل الاعلام كذلك مقيدة بآليات سياسة الدولة حيث انها بطريقة او بأخرى تمثل هذه السياسة وتدافع عن النظام الذي تعمل في اطاره. فلو نأخذ الولايات المتحدة كمثال نلاحظ انه خلال العقود الخمسة الماضية تميزت السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الاوسط بولائها الاعمى لاسرائيل وعدائها الشديد للعرب حتى اصبح نجاح المرشح للرئاسيات الامريكية مرهونا بولائه للوبي الصهيوني وللكيان الاسرائيلي وبتعهده ووفائه لخدمة الدولة العبرية. وهنا يأتي بدون شك دور جماعات الضغط والاحزاب السياسية واللوبيات التي تعمل جاهدة للتأثير في صناع القرار في اتخاذ الموقف الذي يخدم مصالحها واهدافها. فالحركة الصهيونية عبر تنظيماتها المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية واوروبا تسيطر على الصناعات الثقافية ووسائل الاعلام ودور النشر وهذا عملا بتوجيهات وتوصيات برتوكولات حكماء صهيون. والاخطر من هذا ان رؤوس الاموال الصهيونية توظف في المقام الأول في وسائل الاعلام والصناعات الثقافية وفي الوسائط التي تؤثر في الرأي العام. فالنفوذ الصهيوني في وسائل الاعلام الغربية وظف بطريقة منظمة ومنهجية من اجل تقديم صور ذهنية وصور نمطية عن العرب بما يخدم المصالح الصهيونية بالدرجة الأولى. وبطبيعة الحال ما يخدم المصلحة الصهيونية هو تشويه سمعة العرب وتقديم صور نمطية تجعل الرأي العام يتخذ موقفا معاديا وسلبيا ضد كل ما هو عربي ومسلم وهذا الرأي العام يسهل بطبيعة الحال مهمة المشرع وصاحب القرار في عملية اتخاذ اجراءات وقرارات تضر بالعرب وبالمسلمين وبمصالحهم وتساند وتساعد الكيان الصهيوني بدون نقاش ولا مساءلة. الكلام عن مخرجات المؤسسات الاعلامية يقودنا للنظر في الضغوط التنظيمية وفي القوانين والاعراف والاحكام والقيم التي تدير العمل الصحفي. فالمؤسسة الاعلامية هي مؤسسة تجارية بالدرجة الأولى تمثل وتعبر عن البنية الفوقية والتي هي عبارة عن جملة المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد وغيرها، والمؤسسة الاعلامية مطالبة بالمحافظة عليها وترسيخها . والصحافي ما هو الا نتاج المجتمع ونتاج هذه القيم والتقاليد وبذلك فإننا نجده من خلال الميكانيزمات التي تربطه بالمؤسسة الاعلامية يعمل على تثبيت وترسيخ شرعية النظام والقيم التي تحكم هذا النظام، وللعلم قد تكون بعض هذه القيم او المبادئ غير سليمة او تتناقض مع القيم الانسانية العالمية. ونظراً للضغوط المهنية المختلفة ولضيق الوقت ولسرعة العمل وتنفيذه يجد القائم بالاتصال نفسه في صراع دائم مع الزمن ومع هذه الضغوط، الامر الذي يحرمه من التفكير العميق ومساءلة الواقع والآلية والوتيرة التي تسير وفقها الأحداث. ونتيجة لكل هذا يذوب هذا الصحافي في النظام ويصبح جزءاً لا يتجزأ منه لا يفكر ابداً في تحديه او رفضه او مقاومته، وبذلك تصبح الصورة الذهنية والصور النمطية عن العرب جزءاً من المخزون المعرفي والاطار المرجعي اللذين يوجهان الصحافي في عملية انتاج الرسالة الاعلامية، واذا خرج عن هذا الميكانيزم فإنه يهمش ويلقب بالشاذ. وحسب ادوارد سعيد فإن التشويه والتضليل والانحياز في تغطية العرب من قبل وسائل الاعلام الغربية يعود بالدرجة الأولى الى الصراع الحضاري والثقافي بين الغرب والاسلام، وقد ظهر هذا الصراع جليا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانهيار القطبية الثنائية حيث ظهر النظام الدولي الجديد وتحديه للثقافات المختلفة في العالم وخاصة الاسلام. وجاء مصطلح «الاسلاموفوبيا» للتعبير عن الهستيريا التي أصيب بها الغرب ضد الاسلام بعد انهيار الشيوعية، حيث أصبح هذا الاخير يتصدر قائمة أعداء أوروبا وامريكا. واكدت دراسات تحليل المضمون ان كتب التاريخ المدرسية وكتب الاجتماعيات في المدارس الامريكية اسهمت هي بدورها في ايجاد فكر باطني معاد لكل ما هو اسلام وعرب، وكانت النتيجة ان الامريكي يتعرض منذ نعومة أظفاره الى جملة من الصور النمطية ومن الافكار المضللة والمزيفة ضد كل ما هو عربي ومسلم. في ظل هذا التزييف والتشويه والتغطية السلبية للعرب من قبل الاعلام الغربي نلاحظ أزمة في الاعلام العربي في عملية تسويق صورة ايجابية وصورة تصحح هذا الخلل. فالاعلام العربي لم يحدد استراتيجية يستطيع من خلالها تقويم هذا الخطأ وتقديم البديل او البدائل للرأي العام الغربي والدولي. فالصناعات الثقافية العربية ما زالت ضعيفة جداً ولم ترق الى العالمية ولم تعرف كيف توظف اللغات العالمية للوصول الى الآخرين. والاعلام العربي كما لا يخفى على احد يتخبط في دوامة من المشاكل والضغوط قد لا تؤهله للقيام بدور فعال على الصعيد الدولي، اضف الى ذلك ان الانظمة العربية ركزت جهودها في استخدام الاعلام كوسيلة للسلطة وتثبيت الشرعية والتحكم والمراقبة، ولم تول اي اهتمام للبعد الخارجي او الدولي الذي من المفترض ان يكون من المهام الاستراتيجية للنظام الاعلامي في كل دولة عربية. من خلال ما تقدم نخلص الى القول انه آن الاوان بالنسبة للعرب ان يستثمروا وان يخصصوا ميزانيات معتبرة للصناعات الثقافية بمختلف أنواعها حتى يجدوا مكانة لهم بين الأمم ويمكن تحقيق هذا عن طريق الانتاج المشترك والتحالف والتكتلات في الميدان الاعلامي. السفارات والبعثات الدبلوماسية العربية في الغرب والمراكز الثقافية والبعثات المختلفة من مهامها وواجباتها هي كذلك المساهمة والعمل الى حد كبير في تسويق صورة عربية ايجابية تصحح الأفكار المسبقة والصور المزيفة والمشوهة وتعرف الآخرين بحقيقة العرب وتاريخهم وأمجادهم. الى متى نبقى نخسر المعركة؟ وأي معركة ! ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة